ومن الاتعاظ بالزمن دراسة التاريخ العام، وتتبع آيات الله فى الأفاق وتدبر أحوال الأمم: كيف تقوم وكيف تنهار؟ وكيف تنقلب بين ازدهار وانحدار؟ والله عز وجل يطلب من الناس أن يلتفتوا إلى هذه الأدوار المتعاقبة، وأن يكون لهم وعى حصيف يوجههم إلى الانتفاع بها : (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور) . فالرجل بين حالتين: إما أن تكون له تجارب خاصة يستغلها فى تصحيح أفكاره وتدعيم إيمانه، وإما أن يكون لا علم له، فليستمع من غيره، وليستفد من معارف الآخرين، وتجاربهم، أما فتح الأعين على الدنيا المائجة بالأحداث الهائلة دون تفكر أو فقه أو اعتبار فهذا هو العمى والظلام، وهذا ما لا يليق بمؤمن . إن العمر قصير، والحاضر الذى يحيا الإنسان فى نطاقه ضيق، والعقل لا يستمد كيانه وتألقه ونفاذه من وراء الانكماش والتصور، بل لابد أن يتعدى مكانه إلى رحاب الملكوت الواسعة، وزمانه إلى عصور الحياة المتطاولة . . ومن التطواف الممحص هنا وهناك يعود بثروة طائلة من الأفكار والقصص، والآراء والوقائع، تزيد خبرته بالعالم، وتزيد معرفته برب العالمين، والإسلام يبنى الإيمان الراسخ على هذه الدعائم المكينة من التروى، والتأمل، والبحث والتنقيب . من أجل ذلك ندب أبناءه للرحلات الطويلة والسياحات الواسعة، وحبب إليهم الضرب فى مشارق الأرض ومغاربها، لا للهو واللعب، ولكن للعلم والإفادة، لا للتسلية وتزجية الفراغ، بل للبحث والدرس واستقصاء العبر عن الأحياء والهامدين. (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ، هذا بيان للناس وهدى و موعظة للمتقين) . (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق). ص _212
خلق المسلم · الصفحة ٢٠٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خلق المسلمص ٢٠٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي