قال الشريف : أقول : إن فى هذا الكلام الأدنى من مواقع الإحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان ، وإن حظ العجب منه أكثر من حظ العجب به ، وفيه مع الحال التي وصفنا زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان ، ولا يطلع فجها إنسان (1)، ولا يعرف ما أقول إلا من ضرب فى هذه الصناعة بحق ، وجرى فيها على عرق (2) « 04 وما يعقلها إلا العالمون »
** ومن هذه الخطبة
شغل من الجنة والنار أمامه (3) ساع سريع نجا (4)، وطالب بطىء رجا ،
منهلا إلا عب منه ،
ولا يميل به هواه إلى أمر إلا انتهى إليه ، فذلك عبد الهوى ، وجدير به أن يكون فى
النار هوى
(1) اليمين والشمال
مثال لما زاع عن جادة الشريعة والطريق الوسطى مثال للشريعة القويمة ، ثم أخذ يبين
أن الجادة والطريق الوسطى هى سبيل النجاة ، جاء الكتاب هاديا إليها ، والسنة لا
تنفذ إلا منها ، فمن خالف الكتاب ونبذ السنة ثم ادعى أنه على الجادة فقد كذب ، ولهذا
يقول : خاب من ادعى ، أى : من ادعى دعوة وكذب فيها ولم يكن عنده مما يدعيه إلا
مجرد الدعوى فقد هلك لأنه مائل عن الجادة
(2) الرواية الصحيحة
هكذا : من أبدى صفحته للحق هلك ، أى : من كاشف الحق مخاصما له مصارحا له بالعداوة
هلك. ويروى من أبدى صفحته للحق هلك عند جهلة الناس. وعلى هذه الرواية يكون المعنى
: من ظاهر الحق ونصره غلبته الجهلة بكثرتهم وهم أعوان الباطل فهلك
(3) السنخ المثبت ، يقال
: ثبتت السن فى سنخها ، أى : منبتها. والأصل لكل شىء : قاعدته وما قام عليه بقيته
، فأصل الجبل مثلا أسفله الذى يقوم عليه أعلاه وأصل النبات جذره الذاهب فى منبته ،
وهلاك النسخ فساده حتى لا تثبت فيه أصول ما اتصل به ، ولا ينمو غرس غرس فيه. وكل
عمل ذهبت أصوله فى أسناخ التقوى كان جديرا بأن تثبت أصوله وتنمو فروعه ويزكو بزكاء
منبته ومغرس أصله ، وهو التقوى ، وكما أن التقوى سنخ لأصول الأعمال كذلك منها
تستمد الأعمال غذاءها وتستقى ماءها من الأخلاص ، وجدير بزرع يسقى بماء التقوى أن
لا يظمأ و«عليها» فى الموضعين : فى معنى معها. وقد يقال فى قوله سنخ أصل : إنه هو
على نحو قول القائل : إذا خاض عينيه كرى النوم. والكرى هو النوى ، والسنخ هو الأصل.
والأليق بكلام الامام ما قدمناه