وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ، ولا سغب مظلوم (1)، لألقيت حبلها على غاربها (2)، ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندى من عفطة عنز (3). قالوا : وقام إليه رجل من أهل السواد (4) عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا ، فأقبل ينظر فيه ، قال له ابن عباس رضى الله عنهما : يا أمير المؤمنين ، لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت فقال : هيهات يابن عباس ، تلك شقشقة (5) هدرت ثم قرت قال ابن عباس : فو الله ما أسفت على كلام قط كأسفى على هذا الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد
(1) تسنمتم العلياء :
ركبتم سنامها وارتقيتم الى أعلاها ، والسرار كسحاب وكتاب آخر ليلة من الشهر
يختفى فيها القمر. وانفجرتم : دخلتم فى الفجر ، والمراد كنتم فى ظلام حالك ، وهو
ظلام الشرك والضلال ، فصرتم إلى ضياء ساطع بهدايتنا وارشادنا ، والضمير لمحمد صلى
الله عليه وسلم ، والامام ابن عمه ونصيره فى دعوته ، ويروى «أفجرتم» بدل «انفجرتم»
وهو أفصح وأوضح ، لأن انفعل لا يأتى لغير المطاوعة إلا نادرا ، أما أفعل فيأتى
لصيرورة الشىء إلى حال لم يكن عليها ، كقولهم : أجرب الرجل : إذا صارت إبله جربى ،
وأمثاله كثير.
(2) الواعية : الصاخة
والصارخة والصراخ نفسه ، والمراد هنا العبر والمواعظ الشديدة الأثر ، ووقرت أذنه
فهى موقورة ، ووقرت كسمعت : صمت ، دعاء بالصمم على من لم يفهم الزواجر والعبر
(3) الصيحة هنا : الصوت
الشديد ، والنبأة : أراد منها الصوت الخفى ، أى : من أصمته الصيحة فلم يسمعها كيف
يمكن أن يسمع النبأة فيراعيها ، ويشير بالصيحة إلى زواجر كتاب الله ومقال رسوله.
وبالنبأة إلى ما يكون منه رضى الله عنه. وقد رأينا هذا أقرب مما أشرنا إليه فى
الطبعة السابقة (3 ن ج 1)