والناس فى فتن انجذم فيها حبل الدين (1) وتزعزعت سوارى اليقين (2) واختلف النجر (3) وتشتت الأمر ، وضاق المخرج وعمى المصدر (4) فالهدى خامل ، والعمى شامل : عصى الرحمن ، ونصر الشيطان ، وخذل الإيمان ، فانهارت دعائمه (5)، وتنكرت معالمه (6) ودرست سبله (7) وعفت شركه : أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه ، ووردوا مناهله (8)، بهم سارت أعلامه وقام لواؤه ، فى فتن داستهم بأخفافها ، ووطئتهم بأظلافها (9) وقامت على سنابكها ، فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون ، فى خير دار ، وشر
(1) خير دار : هى
مكة المكرمة ، وشر الجيران : عبدة الأوثان من قريش. وقوله «نومهم سهاد الخ» كما
تقول فلان جوده بخل وأمنه مخافة ، فهم فى أحداث أبدلتهم النوم بالسهر والكحل
بالدمع. والعالم ملجم لأنه لو قال حقا والجمهور على الباطل لا نتاشوه ونهشوه ، والجاهل
مكرم لأنه على شاكلة العامة مشايع لهم فى أهوائهم : فمنزلته عندهم منزلة أوهامهم وعاداتهم
، وهى فى المقام الأعلى من نفوسهم ، وهذه الأوصاف كلها لتصوير حال الناس فى
الجاهلية قبل بعثة النبى صلى الله عليه وسلم
(2) اللجأ محركة
: الملاذ وما تلتجىء إليه كالوزر محركة ما تعتصم به
(3) العيبة بالفتح
: الوعاء. والموئل : المرجع أى : أن حكمه وشرعه يرجع اليهم وهم حفاظ كتبه يحوونها
كما تحوى الكهوف والغيران ما يكون فيها. والكتب القرآن ، وجمعه لأنه فيما حواه
كجملة ما تقدمه من الكتب ، ويزيد عليها ما خص الله به هذه الأمة
(4) كنى بانحناء الظهر
عن الضعف ، وباقامته عن القوة. وبهم آمنه من الخوف الذى ترتعد منه الفرائص
(5) جعل ما فعلوا من
القبائح كزرع زرعوه ، وما سكنت إليه نفوسهم من الامهال واغترارهم بذلك بمنزلة
السقى ، فان الغرور يبعث على مداومة القبيح والزيادة فيه ، ثم كانت عاقبة أمرهم