تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجعلت فيها مأدبة (1): مشربا ، ومطعما ، وأزواجا ، وخدما ، وقصورا ، وأنهارا ، وزروعا ، وثمارا ، ثم أرسلت داعيا يدعو إليها ، فلا الداعى أجابوا ، ولا فيما رغبت إليه رغبوا ، ولا إلى ما شوقت إليه اشتاقوا أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها ، واصطلحوا على حبها ، ومن عشق شيئا أعشى بصره (2) وأمرض قلبه ، فهو ينظر بعين غير صحيحة ، ويسمع بأذن غير سميعة ، قد خرقت الشهوات عقله ، وأماتت الدنيا قلبه ، وولهت عليها نفسه فهو عبد لها ، ولمن فى يده شىء منها : حيثما زالت زال إليها ، وحيثما أقبلت أقبل عليها ، ولا يزدجر من الله بزاجر ، ولا يتعظ منه بواعظ ، وهو يرى المأخوذين على الغرة (3) حيث لا إقالة ولا رجعة كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون ، وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون ، وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون ، فغير موصوف ما نزل بهم ، اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ، وتغيرت لها ألوانهم ، ثم ازداد الموت فيهم ولوجا (4) فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنه لبين أهله ينظر ببصره ، ويسمع بأذنه على صحة من عقله ، وبقاء من لبه يفكر فيم أفنى عمره ،

(1) أغمض : لم يفرق

بين حلال وحرام كأنه أغمض عينيه فلا يميز ، أو «أغمض» أى : طلبها من أدق الوجوه وأخفاها

، فضلا عن أظهرها وأجلاها

(2) تبعاتها بفتح

فكسر : ما يطالبه به الناس من حقوقهم فيها ، وما يحاسبه به الله : من منع حقه

منها ، وتخطى حدود شرعه فى جمعها

(3) المهنأ : ما

أتاك من خير بلا مشقة

(4) العبء : الحمل ، والثقل

(5) غلقت رهونه : استحقها

مرتهنها ، وأعوزته القدرة على تخليصها ، كناية عن تعذر الخلاص

(6) أصحر له : إذا برز

فى الصحراء ، أى : على ما ظهر له وانكشف من أمره

(7) «خالط لسانه

سمعه» : شارك السمع اللسان فى العجز عن أداء وظيفته

(8) «التياطا» أى : التصاقا

به

نهج البلاغة · الجزء ١ · الصفحة ٢١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

نهج البلاغةج ١ · ص ٢١١