إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بحور الاعتساف كنه معرفته (1) ولا تخطر ببال أولى الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته (2) الذى ابتدع الخلق على غير مثال امتثله (3) ولا مقدار احتذى عليه ، من خالق معهود كان قبله ، وأرانا من ملكوت قدرته ، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته ، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك (4) قوته ، ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته ، وظهرت فى البدائع التى أحدثها آثار صنعته وأعلام حكمته ، فصار كل ما خلق حجة له ودليلا عليه ، وإن كان خلقا صامتا فحجته بالتدبير ناطقة ، ودلالته على المبدع قائمة. وأشهد أن من شبهك بتباين أعضاء خلقك ، وتلاحم
إلى إقامة وجودها
بما يمسكها من قوته بمنزلة الناطق بذلك المعترف به ، وقوله «باضطرار» متعلق بدلنا
، و«على معرفته» متعلق به أيضا ، أى : دلنا على معرفته بسبب أن قيام الحجة اضطرنا
لذلك ، و«ما دلنا» مفعول لأرانا ، و«ظهرت فى البدائع الخ» معطوف على «أرانا»
(1) الحقاق : جمع حق
بضم الحاء وهو رأس العظم عند المفصل ، واحتجاب المفاصل : استتارها باللحم والجلد
، وذلك الاستتار مما له دخل فى تقوية المفاصل على تأدية وظائفها التى هى الغاية من
وضعها فى تدبير حكمة الله فى خلقة الأبدان ، والمراد من شبهه بالانسان ونحوه
(2) غيب الضمير : باطنه
، والمراد منه هنا العلم واليقين ، أى : لم يحكم بيقينه فى معرفتك بما أنت أهل له.
(3) العادلون بك.
الذين عدلوا بك غيرك ، أى : سووه بك وشبهوك به
(4) نحلوك : أعطوك ، وحلية
المخلوقين : صفاتهم الخاصة بهم من الجسمانية وما يتبعها ، أى : وصفوك بصفات
المخلوقين ، وذلك إنما يكون من الوهم الذى لا يصل إلى غير الأجسام ولواحقها ، دون
العقل الذى يحكم فيما وراء ذلك
(5) قدروك : قاسوك