تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكتاب عليك فرضه ولا فى سنة النبي صلى الله عليه وآله وأئمة الهدى أثره ، فكل علمه إلى الله سبحانه ، فإن ذلك منتهى حق الله عليك. واعلم أن الراسخين فى العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب ، الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب (1) فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا ، فاقتصر على ذلك ، ولا تقدر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين : هو القادر الذى إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته (2) وحاول الفكر المبرأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه فى عميقات غيوب ملكوته (3) وتولهت القلوب إليه (4) لتجرى فى كيفية صفاته (5) وغمضت مداخل العقول فى حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم ذاته (6) ردعها وهى تجوب مهاوى سدف الغيوب (7) متخلصة إليه ، سبحانه ، فرجعت

(1) الجور : العدول

عن الطريق ، والاعتساف : سلوك غير جادة. وسلوك العقول فى أى طريق طلبا لاكتناه

ذاته ، وللوقوف على ما لم يكلف الوقوف عليه من كيفية صفاته ، يعد جورا أو عدولا عن

الجادة ، فان العقول الحادثة ليس فى طبيعتها ما يؤهلها للاحاطة بالحقائق الأزلية ،

اللهم إلا ما دلت عليه الآثار ، وذلك هو الوصف الذى جاء فى الكتاب والسنة ، و«كنه

معرفته» نائب فاعل «ينال»

(2) الرويات : جمع

روية ، وهى الفكر

(3) ابتدع الخلق : أوجده

من العدم المحض على غير مثال سابق «امتثله» أى : حاذاه و«لا مقدار سابق احتذى

عليه» أى : قاس وطبق عليه ، وكان ذلك المثال أو المقدار من خالق معروف سبقه

بالخلقة ، أى : لم يقتد بخالق آخر فى شىء من الخلقة ، إذ لا خالق سواه

(4) المساك كسحاب ، ويكسر

ما به يمسك الشىء كالملاك ما به يملك «

إن الله

يمسك السماوات والأرض أن تزولا

»

وقد جعل الحاجة الظاهرة من المخلوقات

نهج البلاغة · الجزء ١ · الصفحة ١٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

نهج البلاغةج ١ · ص ١٦١