أتى الله بقلب سليم ، وهو الذي
جاء بقلب منيب ، وهو الذي كان عمله
في سبيل الله ، وقد سئل النبي عليه السلام عن الجهاد بدافع الحمية، أو لطلب الغنيمة، أو بقصد حسن الذكر، فأومأ إلى أن شيئا من ذلك ليس في سبيل الله، قائلا: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.» أما ما وراء هذه النية من مطامح ومطامع، فهو في نظر الإسلام إما رجس وفسوق من عمل الشيطان؛ كالرياء والسمعة ونحوهما، وإما عبث وضرب من المباح لا قيمة له ولا ثواب، ومن هذا الضرب الأخير أن يكون هدف العامل هو الجنة وما فيها من نعيم.
فلينظر كل امرئ أين يضع نفسه، وأين يوجه قصده؟
ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات .
| علاقة علم الأخلاق بالتربية
«التربية» تفعلة، من ربا يربو، إذا زاد ونما. فهي تعهد الشيء ورعايته بالزيادة والتنمية والتقوية، والأخذ به في طريق النضج والكمال الذي تؤهله له طبيعته.
والتربية الإنسانية الكاملة هي التي تتناول قوى الإنسان وملكاته جميعا: (1)
تنمية لجسمه، وحفظا لصحته، وهذه هي التربية البدنية. (2)
وتقويما للسانه وإصلاحا لبيانه، وهي التربية الأدبية. (3)
وتثقيفا لعقله وتسديدا لتفكيره وأحكامه، وهي التربية العقلية. (4)
وتزويدا له بالمعلومات الصحيحة النافعة، وهي التربية العلمية. (5)
وترويضا له على وسائل الكسب لعيشه، وهي التربية المهنية. (6)
وإيقاظا لشعوره بجمال الكون، ومعاونة له على التعبير عن هذا الشعور؛ وهي التربية الفنية. (7)
وتعريفا له بحقوق المجتمع الذي يعيش فيه، وبما فيه من نظم وقوانين؛ وهي التربية الاجتماعية والوطنية. (8)
وتوسيعا لأفق شعوره بالأخوة العالمية؛ وهي التربية الإنسانية. (9)
وتوجيها مستمرا لأعماله على سنن الاستقامة، حتى تتكون منها العادات الصالحة والأخلاق الحميدة الراسخة؛ وهي التربية الخلقية. (10)
ثم تساميا بروحه إلى الأفق الأعلى بإطلاق؛ وهي التربية الدينية.
ولقد يذهب الظن بالناظر في هذا البسط والتقسيم إلى أن «علم الأخلاق»، إنما يعني شعبة واحدة من بين هذه الشعب، وهي شعبة «التربية الخلقية».
وليس الأمر كما يوحي به هذا الظن، فإن سلطان الأخلاق منبسط على وجوه النشاط الإنساني كلها، لا يشذ عنه عمل تربوي ولا غير تربوي، ولا يتفاوت في حكمه نشاط بدني أو عقلي أو فني أو أدبي أو روحي. فالفنان الذي يجافي بفنه قانون الحشمة واللياقة، ويهتك به ستر الحياء والعفاف يتصدى لمقت الضمير الحي، وإن لم تؤاخذه قواعد الفن. والمعلم الذي يختار مادة تدريبه العقلي واللغوي للناشئين من أحاديث الرفث، وأقاويل التحريض على الهجر والإثم، يسيء من حيث يحسب أنه يحسن. والمرشد الديني أو المبشر الذي يتوسل في الدعوة إلى دينه بوسائل الخداع والكذب، أو بشيء من الإغواء بالمال أو الجاه أو غيرهما، يرتكب جريمة من أشنع الجرائم ... وهكذا سائر أنواع التربية وشعبها؛ فإنها وإن اتخذت لها أهدافا أخرى اشتقت لنفسها منها أسماء معينة، إلا أنها يجب أن تخضع في وسائلها وأساليبها وبواعثها لقواعد الآداب، وأن تقيس ذلك كله بمقاييس الفضيلة. وإنما تمتاز «التربية الأخلاقية» من بين سائر الشعب بأن هدفها القريب، وغايتها المباشرة، هي التدريب على السلوك الرشيد، وتكوين الخلق الحميد. فصلة علم الأخلاق بها أقوى وأقرب.
فلننظر في كنه هذه الصلة.
وسنرى جانبا منها متفقا عليه، وجانبا مختلفا فيه.
فأما القدر الذي لا خلاف فيه فهو أن علم الأخلاق هو أول الوسائل وأولاها بعناية المربين؛ لأنه هو المصباح الكاشف لمسالك الرشد والغي، ولأنه هو المعيار الذي توزن به نوايا العاملين وبواعثهم. فمن صادف سبيل الهدى مصادفة من غير قصد ولا شعور بإلزام الواجب فيه، كان مثله كمثل الذي يقضي بين الناس خبط عشواء، وهو جاهل بما يقضي فيه. فلا فضل له إن أصاب، بل هو أحد القاضيين اللذين في النار، كما جاء في نص الحديث الصحيح.