وأخيرا فإن سلطان الضمير في نظر الإسلام لا يقف عند هذا الحد، ولا ينتهي بانتهاء هذه الحياة، بل إن له دورا هاما عند المحاسبة في دار الجزاء، حيث يتقدم بين يدي فصل القضاء، ويصدر حكمه على صاحبه قبل أن يصدر عليه الحكم الأعلى. اقرأ إن شئت قوله تعالى:
وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا . (3)
وأما الحديث عن الأجزية والبواعث والأهداف، ودعوى اختلاف طبائعها في نظر الدين عن نظائرها في نظر الفلسفة، فإنه إن سلم في بعض الأديان الأخرى فهو أبعد ما يكون عن وجهة النظر الإسلامية، وهو في جملته أكثر انطباقا على المسيحية منه على اليهودية (إن صحت نسبة كتبهما المعروفة إليهما)، فقد كان الترغيب والترهيب في التوراة بوعود وإيعادات كلها عاجلة في هذه الدنيا، وتكاد تستأثر بها النزعة المادية الخالصة: الصحة، والرخاء، وكثرة الأولاد، وهزيمة الأعداء، للمطيعين، وأضدادها لأضدادهم،
2
ثم جاء الإنجيل على العكس من ذلك يحول أنظار معتنقيه من ملك الأرض إلى ملكوت السماء، ويبشر الخيرين بما أعد لهم في الآخرة، من جزاء القرض الحسن بأحسن منه ...
3
أما القرآن فقد نظم هذين الطرفين المتباعدين في سلك واحد:
لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر ،
4
ثم لم يكتف بذلك، بل قام إلى جانب مهمة الجمع والتوفيق، بمهمة البناء والإنشاء والتكميل، فوصف ما للفضيلة من الأجزية والآثار المعنوية الصالحة، روحية، وخلقية، وعقلية، وحسية، عاجلة وآجلة؛ بحيث تتذوق فيه كل نفس طعم الأمنية التي تشتاقها، وتسمع كل أذن نغمة الأنشودة المحببة إليها، اقرأ في الروحيات:
إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ،
فاتبعوني يحببكم الله ، وفي الأخلاقيات:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ،
والذين اهتدوا زادهم هدى ، وفي العقليات
إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ،
ويجعل لكم نورا تمشون به ، ومن أجل هذه الجزية القرآنية نعمة الرضا والارتياح لأداء الواجب، وهي تلك المتعة التي تزعم الفلسفة الاستئثار بها:
وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها راضية ، وفي الحديث الشريف: «من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن.»
هذا ولقد أكثر الجاهلون من المقارنة بين الجنة في الإسلام وفي المسيحية، فوصفوا الأولى بأنها دار طعام وشراب ومتع بدنية مادية خالصة، والثانية بأنها دار حياة روحية صافية. ولقد أخطئوا المرمى في كلا الوصفين؛ فالجنة في القرآن والإنجيل
5
كما يعرف بالرجوع إلى نصوصهما دار نعيم بدني وروحي معا. وحق لها أن تكون كذلك؛ فهي جزاء للإنسان في جملته، لا في أحد شطريه دون الآخر. على أن القرآن يضيف إلى تقرير الجزاءين بيان التفاوت العظيم بين قيمتهما، جاعلا المقصود الأهم هو المعنى الروحي منهما، فيقول بعد ذكر المساكن الطيبة في جنات عدن
ورضوان من الله أكبر ، وفي الحق أن هذه الجوائز المادية والمتع البدنية، مثلها كمثل الأوسمة التي يهديها الملوك، ليست قيمتها في صورتها ومادتها، ولكن في دلالتها ومغزاها، ألا وهو هذا التكريم والرضوان الذي أشار إليه القرآن. وقد أشار إلى مثل ذلك في الطرف المقابل؛ إذ عرفنا أن أعظم ما يخشاه العاقل من عذاب النار ليس هو آلامها الحسية، بل ما لها من دلالة معنوية على الخزي والإهانة:
ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته .
هذا هو تحقيق الحق في شأن الأجزية الدينية والفلسفية.
وبعد فإن الناس كثيرا ما يلتبس عليهم الأمر بين أجزية العمل وثمراته من جهة، وبين أهداف العامل وغاياته، من جهة أخرى. وهكذا يخلطون بين الغاية الفعلية بمعنى طرف الطريق وآخره، والغاية المقصودة بمعنى نية العامل وهدفه؛ ظانين أن وضع إحداهما هو وضع للأخرى، حتى كأن الإسلام يلوح للمؤمنين أن يقصدوا بأعمالهم تلك النتائج كلها، أو بعضها على التخيير. كلا إن الأمر ليس كما زعموا؛ فأنواع الأجزية التي قررها القرآن للفضيلة والرذيلة لا تحصى كثرة؛ ولكن الهدف الذي وضعه نصب عين العامل هدف واحد لا تعدد فيه ولا تردد؛ هو وجه الله محضا خالصا. وهذا كما ترى تعبير روحي عن معنى أداء الواجب لذاته. وهو معنى نجده في القرآن في أكثر من ألف موضع، كلها تحث على الفضيلة لما لها من قيمة ذاتية، بغض النظر عن كل آثارها. على أن تلك الأجزية الكريمة التي وعد الله بها المتقين، إنما وعد بها من كانت غايته من عمله هو وجه الله وحده، فهو الذي