تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

وأما القضية التي اختلفت فيها مذاهب الفلسفة منذ القدم، فهي أن العلم بالفضيلة هل يكفي في تحصيلها والتحقق بها؟ وبتعبير آخر هل علم الأخلاق وسيلة تامة في التربية الخلقية؟

أجاب «سقراط»: أن نعم! فإن من عرف أن الهدف الذي تنزع إليه فطرة الإنسان هو سعادته الحقيقية، وأن الفضيلة هي الطريق الوحيد الموصل إلى ذلك الهدف، لا يمكن أن يخطئ طريقها، ولا يتصور أن يسلك أحد سبيل شقاوته وهو عالم به طائع مختار في عمله، فالأشرار وأراذل الناس لا ذنب لهم إلا جهلهم بحقيقة مقاصدهم، أو جهلهم بتحديد وسائلها؛ وعلاجهم إنما هو بتصحيح معلوماتهم، لا بتقويم نواياهم وعزائمهم، لأنهم لا ينوون إلا خير أنفسهم، ولكنهم يجهلون هوية هذا الخير، أو يجهلون وسائله. هكذا قرر مؤسس الفلسفة العملية.

أما تلميذه «أفلاطون» فقد اختلفت عبارته، فقرر في بعض مواضع من كتبه أنه ليس بالعلم وحده يصبح المرء فاضلا؛ فإن الرجل قد يعرف الشر ويأتيه، ويعرف الخير ولا يفعله،

2

وإنه لو كانت الفضيلة تنتقل بالتعليم، كما تنتقل العلوم من عقل إلى عقل بالأدلة والبراهين، لاستطاع حكماء أثينا أن يجعلوا تلاميذهم فضلاء مثلهم. وقال في موضع آخر إن الفضيلة التي لا تحتاج إلى تعليم إنما هي الفضيلة الفطرية الموروثة، التي لا تشعر بنفسها. أما الفضيلة الحقيقية فهي التي تعتمد على معرفة الخير ونيته.

ومن تأمل في كلا التقريرين من قول «أفلاطون» لم يجد بينهم اختلافا، ولم يجد في واحد منهما تأييدا لقول «سقراط»: إن العلم بالفضيلة كاف في تحصيلها.

على أن مؤرخي الفلسفة يميلون في تفسير هذه المقالة إلى ما أشار إليه «أفلاطون» من أنه ليس المقصود بالعلم مجرد المعرفة التلقينية، أو الإدراك العقلي الجاف؛ بل المعرفة التي تمتد من العقل إلى القلب، وتصبح إيمانا عميقا، وقوة ملهمة متحمسة. قالوا: ولا ريب أن هذا الضرب من العلم كاف في نجاح التربية وإثمارها للفضيلة، حتى إن الذي يفعل السوء يبرهن بفعله على نقص في معرفته بالخير وإيمانه به.

3

ونحن وإن كنا نوافق على أن المعرفة وحدها ليس لها كبير جدوى إن لم يكن لها رفد من قوة الإيمان، نرى مع ذلك أن ضم العنصرين غير كاف في تحقيق الفضيلة العملية، وأن التربية الناجحة لا غنى لها عن توافر عوامل طبيعية وعوامل إرادية، وأنه لا بد لها قبل كل شيء من إزالة الموانع والعقبات من طريقها. ومن أخطر هذه الموانع البيئة السيئة والقدوة الضارة، التي لا ينكر أثرها في سلوك الناشئين؛ كما أن منها الميول المعارضة والعوائد المخالفة في سيرة الناشئ نفسه، ثم يجيء بعد ذلك عوامل إيجابية نبه عليها خاتمة المحققين من فلاسفة اليونان، ونعني به المعلم الأول «أرسطو»، حين قرر أن الإنسان ليس عقلا فحسب، كما زعم «سقراط»، وليس عقلا وعاطفة وكفى، كما ظن «أفلاطون»؛ بل هو إلى ذلك إرادة فعالة، وعزيمة نافذة، وإذن فليست الفضيلة علما وإيمانا ينزعان بصاحبهما إلى العمل مع قصور الهمة عن تحقيق هذه النزعة، بل هي عمل يبرز إلى الوجود، ويرى ضوء الحياة.

فهذه واحدة.

والثانية أن هذا العمل حين يبرز إلى الوجود لا يكفي أن يقع مرة أو مرتين، بل يجب أن يتكرر ويستمر حتى يصبح عادة ثابتة، وخلقا راسخا، كأنه طبيعة ثانية، فلا بد إذن من رياضة وتدريب على العمل بما نعلم وتلك هي حقيقة التربية العملية.

وأخيرا فليست الفضيلة عملا آليا تسخيريا تمجه نفس فاعله، ويأباه طبعه؛ بل هي عمل انبعاثي محبب إلى القلب، حتى إن الذي يفعل الخير عادة، ولكنه لا يجد في نفسه أريحية له، ليس خليقا أن يسمى خيرا.

وإننا لنجد مصداق هذه النظرات الدقيقة السديدة في القرآن المجيد:

أفرأيت الذي تولى * وأعطى قليلا وأكدى ،

ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ،

كلمات في مبادئ علم الأخلاق · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في مبادئ علم الأخلاقص ١٦