وتفصيل ذلك أن شئون الإنسان على ثلاثة أضرب: منها ما للعقل فيه مجال واضح، وحكم حاسم. وهو الأصول التي لا تتعارض فيها الأنظار ولا يختلف فيها اثنان؛ كحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار، ونبل الإحسان في رد الإساءة، ولؤم الإساءة في جزاء الإحسان ... فيجيء الشرع في هذه المواضع مقررا لحكم الفطرة ومؤكدا. ومنها ما للعقل فيه نور ضئيل تغشاه الظلال، وتخالطه الأوهام. وهو مواضع الشبهات العقلية؛ كالخمر، والربا، والصدق الضار، والكذب النافع، واستبقاء الحياة المعذبة مع اليأس، والتضحية بها في سبيل الواجب مع القدرة على حفظها ... فهنا يجيء الشرع إمدادا لنور العقل، بترجيح جانب الحكمة والرشد فيه وتصحيح أخطاء الوهم التي تخالطه وتغشاه. ومنها ما لا مدخل للعقول فيه بإطلاق؛ كتفصيل أنواع العبادات وكيفياتها ومقاديرها ... فيكون ورود الوحي بها مكملا لما فات العقل إدراكه، ماحيا للظلمة التي تركها وراء حدوده. وهكذا يكون للفطريين الذين لا يتبعون إلا شريعة العقل، نور واحد، ويكون لأتباع الشرائع السماوية نوران اثنان، كما قال سبحانه:
نور على نور .
ولا تحسبن أن نور الشريعة فيما لم يهتد إليه العقل بمفرده قد أصبح مستغنيا عن نور الفطرة جملة، كلا، فإنه لا يزال في أشد الحاجة إلى رفده وعضده، من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
أن الشرع لا يزال يستند إليه عند مطالبته للمؤمنين بأداء واجباتهم الشرعية، لا باعتبار أنها أوامر إلهية فحسب، بل باعتبار أنها أصبحت أوامر أخلاقية بعد أن سبق تعهدهم بها تعهدا كليا عاما، بمقتضى عقد الإيمان الذي ينطوي على التزام السمع والطاعة. ألا ترى إلى قوله سبحانه:
واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ، وقوله:
وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين .
الوجه الثاني:
أن أوامر الشريعة في معظم شأنها أوامر عامة كلية، يكل الشرع تفصيلها وتحديدها إلى تقدير الوجدان الخلقي، الذي أودعه الله في كل نفس، وفي كل جماعة بشرية. وكثيرا ما يصرح القرآن بتفويض هذا الوجدان الشخصي أو الجماعي في تحديد مقادير الحقوق والواجبات وأساليبها:
ممن ترضون من الشهداء ،
رزقهن وكسوتهن بالمعروف ،
متاعا بالمعروف .
الوجه الثالث:
وهو أعم وأدق، أن الإسلام لا يطلب، ولا يرضى، أن تنفذ أوامره تنفيذا آليا، خضوعا لصولة حكمه، بل لا بد قبل كل شيء أن تسري أوامره إلى أعماق الضمير، حتى يتشربها القلب، ثم تفيض عنه بعد أن تكون قد تحولت فيه إلى أوامر ذاتية انبعاثية ... ذلك أن أول خطوة في امتثال الواجب هي الإيمان بوجوبه وعدالته؛ والخطوة التي تليها هي أن يحمل هذا الإلزام إلى النفس على كف الضمير، مشفوعا بصوت منبعث من أعماقه ، يناديها: «أيتها النفس! إن الله يأمرك أن تفعلي، وأنا آمرك أن تطيعي أمره؛ فإنه حق وعدل، وإنه لا خيرة لك في رده.» فإن لم ينبعث من الأعماق هذا التبليغ، ولم يرتفع فيها هذا الصوت الداخلي، ترديدا لصدى ذلك الصوت السماوي، كان العمل كله هباء عند الله وفي نظر قانون الأخلاق.
القلب (أو الضمير) إذن هو بريد الشرع، الذي لا سبيل إلى الامتثال إلا عن طريقه. وكفى بهذا رفعا لمكانته في غضون أحكام الشريعة.
وبعد، فإن الشريعة نفسها، بعد أن بينت الحلال الصريح، والحرام الصريح، تركت المنطقة التي تختلط فيها الأوصاف، ويشتبه فيها الحكم، وفوضت لكل امرئ أن يستفتي فيها قلبه، ويتحرى فيها طمأنينة نفسه، أخذا بالأحوط والأسلم. هكذا قضى الرسول الحكيم حيث يقول: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه.» ويقول: «استفت قلبك واستفت نفسك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك.»