كتب عليكم القتال وهو كره لكم ... والله يعلم وأنتم لا تعلمون ،
فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما .
بل ها هنا ما هو أعظم من ذلك خطرا!
يفخر الحكماء بأنهم اكتشفوا للإلزام الأدبي مصدرا آخر، غير الوحي السماوي؛ ذلك هو النور العقلي، أو الإحساس الأخلاقي الذي ينطوي عليه كل قلب إنساني. ألا فليعلموا أنهم لم يأتوا بجديد غريب عن الإسلام. فالقانون الإسلامي في رجوعه إلى العقل السليم والوجدان النبيل، يرجع إليهما لا باعتبار أنهما شهيدان له فحسب، يؤيدان حكمه ويشفعان له عند المخاطبين، كما بينا آنفا؛ بل إنه يقلدهما مقاليد الحكم، ويخولهما حق الأمر والنهي، في أطوار ثلاثة: قبل ورود الشرع، وفي أثناء نزول الشرع، وبعد انتهائه وتمامه.
أما قبل الشرع فإن القرآن يقرر في أصرح عبارة أن النفوس كلها قد منحت بفطرتها قوة التمييز بين الخير والشر، والعدل والظلم، والتقوى والفجور:
ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها ،
بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره ، ثم لا يكتفي بأن يجعل هذه البصيرة قوة كاشفة معرفة؛ بل يجعلها آمرة ناهية، وينعى على من يخالفها بأنه من أهل الضلال والطغيان:
أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون
هذه القضية المنفصلة لا تدع مجالا للشك في وجوب الخضوع لأوامر الأحلام والعقول، متى اتضح أمامها طريق الحق والخير. وكذلك يقول صاحب الرسالة الباهرة صلوات الله عليه: «إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظا من نفسه يأمره وينهاه.»
وبعد فما لي أراك ها هنا في شيء من الدهشة والاضطراب، كأنك تخشى أن نكون في هذه القضية قد أقدمنا على أمر خطير؟ لعلك سمعت بعض أهل العلم يقولون إن تحكيم العقول في حسن الأفعال وقبحها إنما هو مقالة أهل الاعتزال، وإن أهل السنة لا يرون للأفعال في نفسها حسنا ولا قبحا، وإنما الحسن ما أمر به الشرع، والقبيح ما نهى عنه الشرع!
ألا فاعلم أنه ليس في الدنيا عاقل: أشعري ولا معتزلي ولا غيرهما، ينكر ما منحه الله للإنسان من ملكة التمييز بين الأفعال والحكم عليها بالحسن أو القبح، بمعنى أن بعضها يعد صفة كمال، وبعضها يعد صفة نقص، أو أن بعضها يقبله الطبع المستقيم، وبعضها يمجه الذوق السليم، أو أن بعضها يمدح فاعله، وبعضها يذم مرتكبه ... فلذلك كله مما لا جدال فيه، وإنما الجدال الذي سمعت خبره بين الأشاعرة والمعتزلة كان في شأن آخر: وهو أن هذه الأحكام التي تصدرها عقولنا، هل تجزم بمطابقتها للواقع وبأنها هي حكم الله في نفس الأمر؟ وهل نعتقد أن الله كلفنا باتباعها، وسيحاسبنا عليها، ويجزينا بها مثوبة أو عقوبة، من قبل أن يرسل بها رسولا من عنده، أو ينزل إلينا بها كتابا نقرؤه؟ أم أننا ينبغي لنا ألا نتخذ أحكامنا مرآة صادقة لأحكام الله، ولا نجترئ على القول بأنها مقياس أمره ونهيه، إلا أن يبعث إلينا بسلطان من عنده، يقرنا عليها، ويلزمنا بقضيتها؟
هذا هو محل الخلاف هناك. ولكنه ليس مجال بحثنا هنا، وإنما الذي يعنينا في هذا المقام هو اتفاق الطرفين على أن الإسلام يقرر للعقل سلطانا أدبيا بالمعنى الإنساني الذي شرحناه آنفا، وهو المعنى الذي زعم علماء أوروبا أنهم اكتشفوه في المذاهب الفلسفية خاصة. هذا السلطان الأدبي الذي يسميه الفلاسفة «سلطان الضمير» يعترف الإسلام به على استقلاله وكماله في الفترة التي تسبق قيام الشريعة ووصولها إلى من وجهت إليه، كما بينا.
يبقى البحث في نظرة الإسلام إلى هذا السلطان العقلي، في أثناء نزول الشريعة السماوية وبعد تمامها: هل متى نزلت الشريعة وبلغت أهلها أصبح أمرها ناسخا لأحكام العقل وأوامره، كما يبطل التيمم بحضور الماء؟
كلا، إن النور لا ينسخ النور، ولكنه إما أن يؤكده ويؤيده، وإما أن يغذيه ويرفده، وإما أن يكمله ويزيده.