تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين (سورة البينة، الآية: 5)، ويقول:

قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (سورة البقرة: 136).

نقول إذن: إن الإسلام بمعناه القرآني الذي وصفناه لا يصلح أن يكون محلا للسؤال عن علاقة بينه وبين سائر الأديان السماوية؛ إذ لا يسأل عن العلاقة بين الشيء ونفسه، فها هنا وحدة لا انقسام فيها ولا اثنينية.

غير أن كلمة «الإسلام» قد أصبح لها في عرف الناس مدلول معين، هو مجموعة الشرائع والتعاليم التي جاء بها محمد

صلى الله عليه وسلم

أو التي استنبطت مما جاء به، كما أن كلمة اليهودية أو الموسوية تخص شريعة موسى وما اشتق منها، وكلمة النصرانية أو المسيحية تخص شريعة عيسى وما تفرع منها.

فالسؤال الآن إنما هو عن الإسلام بمعناه العرفي الجديد، أعني: عن العلاقة بين المحمدية وبين الموسوية والمسيحية.

وللإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نقسم البحث إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى:

في علاقة الشريعة المحمدية بالشرائع السماوية السابقة وهي في صورتها الأولى لم تبعد عن منبعها، ولم يتغير فيها شيء بفعل الزمان ولا بيد الإنسان.

المرحلة الثانية:

في علاقته بها بعد أن طال عليها الأمد، وطرأ عليها شيء من التطور.

أما في المرحلة الأولى:

فالقرآن يعلمنا أن كل رسول يرسل، وكل كتاب ينزل؛ قد جاء مصدقا ومؤكدا لما قبله؛ فالإنجيل مصدق ومؤيد للتوراة، والقرآن مصدق ومؤيد للإنجيل والتوراة ولكل ما بين يديه من الكتب:

وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين * وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون * وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (سورة المائدة، الآيات: 46، 47، 48)،

وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (آل عمران، الآية: 81).

غير أن ها هنا سؤالا يحق للسائل أن يسأله:

أليست قضية هذا التصادق الكلي بين الكتب السماوية أن تكون الكتب المتأخرة إنما هي تجديد للمتقدمة وتذكير بها، فلا تبدل فيها معنى، ولا تغير حكما، وإلا كيف يقال: إنها تصدق ... إلخ، بينما هي تبدل وتعدل، وإذا كان من قضية التصادق الكلي بين الكتب ألا يغير المتأخر منها شيئا من المتقدم، فهل الواقع هو ذلك؟

الجواب: ليس الواقع ذلك، فقد جاء الإنجيل بتعديل بعض أحكام التوراة؛ إذ أعلن عيسى أنه جاء ليحل لبني إسرائيل بعض الذي حرم عليهم:

ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (آل عمران، الآية: 50)، وكذلك جاء القرآن بتعديل بعض أحكام الإنجيل والتوراة؛ إذ أعلن أن محمدا

صلى الله عليه وسلم

جاء ليحل للناس كل الطيبات، ويحرم عليهم كل الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم:

الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (سورة الأعراف، الآية: 157).

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٦٨