تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن يجب أن يفهم أن هذا وذاك لم يكن من المتأخر نقضا للمتقدم، ولا إنكارا لحكمة أحكامه في إبانها، وإنما كان وقوفا بها عند وقتها المناسب وأجلها المقدر ... مثل ذلك مثل ثلاثة من الأطباء جاء أحدهم إلى الطفل في الطور الأول من حياته فقرر قصر غذائه على اللبن، وجاء الثاني إلى الطفل في مرحلته التالية فقرر له طعاما لبنا وطعاما نشويا خفيفا، وجاء الثالث في المرحلة التي بعدها فأذن له بغذاء قوي كامل.

لا ريب أن ها هنا اعترافا ضمنيا من كل واحد منهم بأن صاحبه كان موفقا كل التوفيق في علاج الحال التي عرضت عليه ... نعم إن هناك قواعد صحية عامة في النظافة والتهوية والتدفئة ونحوها لا تختلف باختلاف الإنسان، فهذه لا تعديل فيها ولا تبديل، ولا يختلف فيها طب الأطفال والناشئين عن طب الكهول الناضجين.

هكذا الشرائع السماوية كلها صدق وعدل في جملتها وتفصيلها، وكلها يصدق بعضها بعضا من ألفها إلى يائها، ولكن هذا التصديق على ضربين: تصديق القديم مع الإذن ببقائه واستمراره، وتصديق له مع إبقائه في حدود ظروفه الماضية؛ ذلك أن الشرائع السماوية تحتوي على نوعين من التشريعات: «تشريعات خالدة» لا تتبدل بتبدل الأصقاع والأوضاع - كالوصايا التسع

4 - ونحوها، فإذا فرض أن أهل شريعة سابقة تناسوا هذا الضرب من التشريع جاءت الشريعة اللاحقة بمثله - أي: أعادت مضمونه تذكيرا وتأكيدا له - «وتشريعات موقوتة» بآجال طويلة أو قصيرة فهذه تنتهي بانتهاء وقتها وتجيء الشريعة التالية بما هو أوفق بالأوضاع الناشئة الطارئة ... وهذا - والله أعلم - هو تأويل قوله تعالى:

ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها (سورة البقرة، الآية: 106).

ولولا اشتمال الشريعة السماوية على هذين النوعين ما اجتمع فيها العنصران الضروريان لسعادة المجتمع البشري: عنصر الاستمرار الذي يربط حاضر البشرية بماضيها، وعنصر الإنشاء والتجديد الذي يعد الحاضر للتطور والرقي اتجاها إلى مستقبل أفضل وأكمل.

ونحن إذا نظرنا نظرة فاحصة إلى سير التشريع السماوي من خلال الشرائع الثلاث نجد فيها هذين العنصرين واضحين كل الوضوح؛ إذ نجد كل شريعة جديدة تحافظ على الأسس الثابتة التي أرستها الشريعة السابقة، ثم تزيد عليها ما يشاء الله زيادته.

نرى شريعة التوراة مثلا قد عنيت بوضع المبادئ الأولية لقانون السلوك «لا تقتل» و«لا تسرق» ... إلخ. ونرى الطابع البارز فيها هو طابع تحديد الحقوق وطلب العدل والمساواة بينها ... ثم نرى شريعة الإنجيل تجيء بعدها فتقرر هذه المبادئ الأخلاقية وتؤكدها، ثم تترقى فتزيد عليها آدابا مكملة: «لا تراء الناس بفعل الخير، أحسن إلى من أساء إليك»، ونرى الطابع البارز فيها التسامح والرحمة والإيثار والإحسان ... وأخيرا تجيء شريعة القرآن فنراها تقرر المبدأين كليهما في نسق واحد:

إن الله يأمر بالعدل والإحسان (سورة النحل، الآية: 90) مقدرة لكل منهما درجته في ميزان القيم الأدبية مميزة بين المفضول منهما والفاضل:

وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله (سورة الشورى، الآية: 40)،

وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (سورة النحل، الآية: 126)، ثم نراها وقد أضافت إليها فصولا جديدة صاغت فيها قانون آداب اللياقة، رسمت بها مناهج السلوك الكريم في المجتمعات الرفيعة في التحية والاستئذان، والمجالسة والمخاطبة إلى غير ذلك ... كما نراه في سورة النور والحجرات والمجادلة.

هذا مثال من أمثلة الجمع في سير التشريعات السماوية بين عنصر المحافظة على القديم الصالح، وعنصر الأخذ بالجديد الأصلح. والأمثلة كثيرة لا يتسع لها نطاق هذا البحث.

هكذا كانت الشرائع السماوية خطوات متصاعدة ولبنات متراكمة في بنيان الدين والأخلاق وسياسة المجتمع، وكانت مهمة اللبنة الأخيرة منها أنها أكملت البنيان وملأت ما بقي فيه من فراغ، وأنها في الوقت نفسه كانت بمثابة حجر الزاوية الذي يمسك أركان البناء، وصدق الله وصف خاتم أنبيائه بأنه:

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٦٩