تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

أما كيف تتحرر العقول من هذا الأسر الاجتماعي القاهر، فإن القرآن يعلن أنه ليس لذلك إلا وسيلة واحدة، وهي التفكير الفردي الهادئ، المتحرر من كل القيود إلا قيود البداهة والمنطق السليم:

قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا (سبأ: 46).

3

وأخيرا نرى المذهب التعليمي ساريا في القرآن كله، إلى جانب ما فيه من التوجيه المستمر إلى الاعتبار بتلك الآيات الواضحة، والدلائل اللائحة، في الأنفس والآفاق. فالقرآن يقرر أن الرحمة الإلهية لم تكتف بدلائل العقل، حتى أيدتها بشواهد النقل، وأنها قطعت حجة كل غافل وكل متواكل، فأرسلت

رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (النساء: 165)،

وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون (الأعراف: 173)، هكذا يلتقي في محيط القرآن ما رأيناه قد تشعب عند العلماء من مسالك الاعتبار، ومذاهب البحث والنظر.

وإنه لن يسع الباحث المنصف، متى تحقق من هذه الإحاطة العلمية الشاملة، إلا أن يرى فيها آية جديدة على أن القرآن المجيد ليس صورة لنفسية فرد، ولا مرآة لعقلية شعب، ولا سجلا لتاريخ عصره، وإنما هو كتاب الإنسانية المفتوح، ومنهلها المورود. فمهما تتباعد الأقطار والعصور، ومهما تتعدد الأجناس والألوان واللغات، ومهما تتفاوت المشارب والنزعات؛ سيجد فيه كل طالب للحق سبيلا ممهدا، يهديه إلى الله على بصيرة وبينة.

ولقد تركناها آية فهل من مدكر (القمر: 15).

وبعد فإتماما للفائدة، قد ألحقنا هذا البحث القيم الخاص بموقف الإسلام من الأديان الأخرى بهذا الكتاب، وكان قد أعده المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز لإلقائه في الندوة العالمية للأديان التي عقدت ب «لاهور» بباكستان وذلك في جمادى الآخرة سنة 1377ه/يناير سنة 1958م. (1) موقف الإسلام من الأديان الأخرى، وعلاقته بها

إذا أخذنا كلمة «الإسلام» بمعناها القرآني نجدها لا تدع مجالا لهذا السؤال عن العلاقة بين الإسلام وبين سائر الأديان السماوية، فالإسلام في لغة القرآن ليس اسما لدين خاص، وإنما هو اسم للدين المشترك الذي هتف به كل الأنبياء وانتسب إليه كل أتباع الأنبياء، هكذا نرى نوحا يقول لقومه:

وأمرت أن أكون من المسلمين (سورة يونس، الآية: 72)، ويعقوب يوصي بنيه:

فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (سورة البقرة، الآية: 132)، وأبناء يعقوب يجيبون أباهم:

نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (سورة البقرة، الآية: 133)، وموسى يقول لقومه:

إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (سورة يونس، الآية: 84)، والحواريون يقولون لعيسى:

آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (سورة آل عمران: 52)، بل إن فريقا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن:

قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (سورة القصص: 53).

وبالجملة نرى اسم الإسلام شعارا عاما يدور في القرآن على ألسنة الأنبياء وأتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصر النبوة المحمدية، ثم نرى القرآن يجمع هذه القضايا كلها في قضية واحدة يوجهها إلى قوم محمد

صلى الله عليه وسلم ، ويبين لهم فيها أنه لم يشرع لهم دينا جديدا، وإنما هو دين الأنبياء من قبلهم:

شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه (سورة الشورى، الآية: 13)، ثم نراه بعد أن يسرد سيرة الأنبياء وأتباعهم ينظمهم في سلك واحد، ويجعل منهم جميعا أمة واحدة لها إله واحد كما لها شريعة واحدة:

إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (سورة الأنبياء: 92).

ما هذا الدين المشترك الذي اسمه الإسلام، والذي هو دين كل الأنبياء والمرسلين؟ إن الذي يقرأ يعرف كنه هذا الدين، إنه هو التوجه إلى الله رب العالمين في خضوع خالص لا يشوبه شرك، وفي إيمان واثق مطمئن بكل ما جاء من عنده على أي لسان وفي أي زمان أو مكان، دون تمرد على حكمه، ودون تمييز شخصي أو طائفي أو عنصري بين كتاب وكتاب من كتبه، أو بين رسول ورسول من رسله، هكذا يقول القرآن:

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٦٧