أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (الأعراف: 98)، ويقول:
أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض (سبأ: 9).
أما المنهج الروحي فترى عناصره مبثوثة أيضا في كثير من الآيات؛ فمبدأ: استقلال الروح البشري وانفصاله عن الجسم وعن الروح الحيواني في هذه الحياة، ومبدأ: بقاء هذا الروح الإنساني بعد الموت في حالة برزخية بين الدنيا والآخرة، ومبدأ: تعلق أرواح الموتى بشئون أهل الدنيا ... هذه المبادئ كلها نراها مقررة في مثل قوله تعالى:
وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى (الأنعام: 60)، وقوله:
الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها (الزمر: 42)، وقوله:
فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم (آل عمران: 170)، وقوله في شأن أهل الشقاوة وهم في قبورهم:
النار يعرضون عليها غدوا وعشيا (غافر: 46).
ذلك إلى ما يقرره القرآن في غير موضع من وجود أرواح أخرى مستقلة عن العالم الإنساني، ولكنها تتصل بشئونه، ويسخرها الله في تدبير أحواله، تارة بالنصر والتأييد، وتارة بغير ذلك. اقرأ قصة الجن في السورة المسماة بهذا الاسم، وفي سورة الأنبياء، وسورة النمل، وسورة سبأ ... واقرأ أخبار الملائكة في السورة المسماة بهذا الاسم، وهي سورة فاطر، أو السور الأخرى، مثل سورة آل عمران، وسورة الأنعام، وسورة الأنفال، وغيرهن.
وكذلك المذاهب النفسية نرى منهاجها مستعملا في القرآن حين يشير إلى قصور الإرادات الإنسانية عن بلوغ أهدافها، وإلى عجز الإنسان أمام المقادير العليا وضرورة استسلامه لها، في قوله تعالى:
أم للإنسان ما تمنى * فلله الآخرة والأولى (النجم: 24)، وقوله:
وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة (القصص: 68)، وقوله:
أم لكم كتاب فيه تدرسون * إن لكم فيه لما تخيرون * أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون * سلهم أيهم بذلك زعيم (القلم: 40).
ويزيد القرآن في هذا المعنى عنصرا آخر عظيم الدلالة على الألوهية، وهو تحول الإرادات الإنسانية عن أهدافها، حين تنقلب كراهيتها محبة، وعداوتها ألفة، واستهجانها استحسانا، وثورتها سكونا، من غير أن يكون للأسباب الطبيعية مدخل معقول في هذا التحول، وفي ذلك يقول الله تعالى:
واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم (آل عمران: 103)، ويقول:
لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم (الأنفال: 63)، ويقول:
فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين (الفتح: 26)، ويجمع ذلك كله قوله سبحانه:
واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه (الأنفال: 24).
حتى المذهب الأخلاقي نجد لبه وجوهره في القرآن حيث يقول الله تعالى:
ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها (الشمس: 7، 8).
بل المذهب الاجتماعي نفسه إذا عدنا إلى أساسه الصحيح، وهو تقرير ما للبيئة والوراثة من سلطان بليغ على نفوس الأفراد، وما لها من أثر في تكوين آرائهم وعقائدهم؛ يسجله القرآن حقيقة واقعة:
بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا (البقرة: 170)،
إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (الزخرف: 23) ... إلا أن القرآن حين يقرر هذا الأمر الواقع لا يذكره إلا في معرض التقريع والذم، ناعيا على العامة رضاهم بما فيه من استعباد فكري، وهبوط عن عرش الكرامة الإنسانية إلى مستوى القطعان من الماشية التي تسير وراء كل ناعق،
أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (البقرة: 170)،
فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه (الزمر: 18)، وفي هذا المعنى تقول الحكمة النبوية: «لا تكونوا إمعة: تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا.»