تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو أننا طلبنا الحق المجرد في هذه المسألة لألفيناه ينتظم في كلمتين: (1)

أن آيات الألوهية مبثوثة في كل شيء. (2)

أن كل فئة من الناس لها طريق مسلوك في الاسترشاد ببعض تلك الآيات قبل بعض.

وهذه الحقيقة المزدوجة يقررها القرآن في أوضح بيان؛ حيث يقول في المقدمة الأولى:

إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين * وفي خلقكم (الجاثية: 3)

وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم (الذاريات: 20)،

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم (فصلت: 53)، ويقول في المقدمة الثانية:

لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا (المائدة: 48)،

ولكل وجهة هو موليها (البقرة: 148)،

ولكل قوم هاد (الرعد: 7).

ولا جرم أنه من أجل هذا الاختلاف في وسائل الاقتناع عند الناس، تنوعت في القرآن وسائل الدعوة إلى الله، وصرفت فيه الآيات تصريفا بليغا، حتى إن الذي يستعرض أساليب الهداية القرآنية إلى عقيدة الألوهية يجدها قد أحاطت بأطراف هذه المسالك، وأشبعت تلك النزعات جميعا، بل ربما زادت في كل منهج عناصر جديدة، لم يفطن إليها الباحثون المذكورون.

فإن شئت التحقق فإليك نماذج قرآنية من هذه المناهج على الترتيب:

اقرأ في المنهج الطبيعي، أمثال قوله تعالى:

أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج * والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (ق: 7)، وقوله:

انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه (الأنعام: 99)، وقوله:

فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا (الأنعام: 96)، وقوله:

قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون (القصص: 71-72).

ويزيد القرآن في هذا الباب عنصرا جديدا، وهو عنصر الاختلاف بين المتشابهات، اختلافا لم يتهيأ للعلم البشري معرفة أسبابه، ولا التحكم في عوامله، ولا التنبؤ به قبل ظهوره؛ لأنه - كما يقول «وليم جيمس» - يرتبط بأحوال ذرية دقيقة لا تخضع لشيء من أنواع الملاحظة، ولأنه لا يتبع حالة خاصة من أحوال البيئة الطبيعية ونحوها، بل يجيء مع كل الحالات الممكنة لهذه البيئة، ومع ذلك كله تراه يسير في نظام غاية في الإحكام.

هذا الاختلاف البديع من اتحاد البيئة والعوامل الطبيعية الظاهرة، تجد التنبيه على موضع العبرة منه في قوله تعالى:

وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل (الرعد: 4)، وقوله:

ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم (الروم: 22)،

ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك (فاطر: 27).

وأخيرا يعنى القرآن عناية خاصة، في هذا الجانب التكويني، بظاهرة الحياة التي حيرت العلماء، فيقول:

كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم (البقرة: 28)، ويقول:

أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون * ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون * أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (الواقعة: 59)، ويقول:

فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها (الروم: 50).

هذا كله في الشطر الأول من المنهج الطبيعي.

فإذا انتقلت إلى الشطر الثاني منه تجد أمثال قوله تعالى:

ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا (الروم: 24)، وقوله:

ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء (الرعد: 13)، ثم لا يكتفي القرآن ها هنا بالتنبيه إلى الحوادث المروعة الواقعة بالفعل، بل يضيف إليها الإنذار بالأحداث المتوقعة أو المحتملة، فيقول:

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٦٥