تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ها هنا - وها هنا فقط - تتدخل النظرية لتكشف الغشاوة عن أعينهم، وتنبههم إلى ما حدث من تحول شعورهم عن منبعه وهدفه الحقيقيين، وأنهم إذا كانوا يتوجهون بعبادتهم إلى مصدر هذا الأثر الجديد، فليعلموا أنه ليس هو النصب، ولا ما يرمز إليه النصب، وإنما هو هذا الاجتماع الثائر نفسه؛ فإن من طبيعة هذه الاجتماعات أن تنسلخ النفوس فيها عن مشخصاتها الفردية، وتنمحي كلها في شخصية واحدة هي شخصية الجماعة، وهكذا يكون الاجتماع هو مبدأ التدين وغايته، وتكون الجماعة إنما تعبد نفسها من حيث لا تشعر. •••

هذه النظرية تبدي صفحتها لضروب من النقد لا تحصى، وقبل كل شيء فإنها - ككل النظريات عن العقليات «البدائية» - تقوم على أساس مشكوك فيه، ولا بد في قبوله من تحفظ بليغ، واحتراس شديد، ألا وهو تلك المعلومات التي يدونها الرحالة والسائحون عن عقائد الهمج وعوائدهم، والتي يبدو عليها الضعف من وجوه، منها: أنه ليس كل السائحين على جانب من علوم النفس والمنطق والدين والأخلاق يكفيهم لاستبطان غور الأمور، ووضع الأسئلة الدقيقة المحددة في هذا الشأن، وليسوا في غالب الأمر مزودين بمنهاج معين ديني أو أخلاقي، بل هذا الجانب هو أقل ما يسترعي اهتمام أكثر السائحين. ومنها: أن هذه المعلومات لا تستقى من آثار مكتوبة - إذ الفرض أن هؤلاء الأقوام محرومون من العلوم والفنون المدونة - وإنما تؤخذ من أفواه قوم لم يصلوا بعد إلى تحليل أفكارهم وتحديد شعورهم في هذه المسائل، فمن الراجح أنهم يسرعون إلى الإجابة بكلمة: «نعم» أو «لا» من غير مراجعة لعقولهم وإحساساتهم العميقة، ومهما تفترض الدقة وحسن النية في السائل والمجيب، فقد بقيت عقبة هذه اللغات «البدائية» التي لم تنضج أداتها، ولم تستكمل وسائل التعبير عن تلك المعاني الدقيقة الغامضة التي يصعب أداؤها حتى في أرقى اللغات وأوسعها. أضف إلى هذا أنه ليس كل فرد هناك يمثل الفكرة العامة للعشيرة أو القبيلة؛ إذ قد تختلف التفاسير بين شخص وآخر، بل الشخص الواحد قد يجمع متناقضات من التصورات، وليس أدل على وهن المعلومات المدونة بهذه الوسيلة من أن الكتاب أنفسهم قد يتناقضون

19

في وصفهم لتلك القبائل.

ولنجاوز الآن هذه الملاحظات العامة لننظر في أسس النظرية نفسها:

يقول صاحب النظرية: إنه ينبغي أن ندرس الظاهرة الدينية في أقدم عصورها، وأقربها إلى عهد نشأتها. ويقرر أن نظام القبائل والعشائر أقدم وجودا من نظام الأسر، وأن قبائل أستراليا الوسطى تمثل أقدم الأطوار المعروفة للقبائل، فهي أحق بأن يقع عليها الاختيار للبحث والدرس.

أما المقدمة الأولى فإنها وإن كانت مبدأ سليما في الجملة، لمن يعنيه تكملة بحث المسألة من وجهتها التاريخية البحتة، إلا أن اتخاذ نتيجة البحث قاعدة عامة تعرف منها حقيقة الدين من حيث هو، يعد عملا مجافيا لقانون المنطق السليم، أفيحق لنا أن نحدد حقيقة الإنسانية من النظر في أول أطوار الجنين، أو وهو بعد في الأدوار التي تمر بها سائر الكائنات الحية، قبل أن تتميز أجهزته الخاصة، وتتعين وظائف أعضائه، وقبل أن يحيا حياة مستقلة، وقبل أن تستيقظ فيه ملكات الفهم والبيان وغيرها؟ إن تحديد الدين بذلك المعنى الغامض الذي يتلجلج في صدر الإنسان في طور طفولته - وهو بعد لا يستبين حقيقة شعوره، ولا أهداف أعماله - فساد في المنهج لا يقل عن تعريف الإنسان بالجنين.

ولقد أصاب هوفدنج إذ يقول: «إنه ليس من المستطاع دائما أن نستقي معلومات كافية عن الطبيعة الحقيقية لكائن ما، من مجرد النظر في أصل تكوينه؛ فإن التغييرات والنظم التي تحدث له في أثناء نموه، قد تبرز فيه صفات وخصائص ما كنا نرى منها أدنى أثر في بدايته، إن الطبيعة الحقيقية لكائن ما، إنما تتكون من قانون تطوره منذ نشأته الأولى إلى صورته النهائية.»

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٥٩