على أنه إذا كان لا بد للفضيلة من مقابل مادي، فلماذا نفرض هذا المقابل في حياة مستقبلة؟ لماذا لا نقدر أننا قد استوفينا هذا المقابل مقدما في أنواع النعم السابقة التي لا تحصى؟ وبذلك يكون واجب الفضيلة سدادا لدين قديم في أعناقنا لشكر تلك النعم، لا افتتاحا لمعاملة جديدة تنتظر الجزاء.
كل هذه الفجوات كان يمكن تجنبها لو أن الفيلسوف الألماني اختصر الطريق، بالانتقال مباشرة من القانون الأخلاقي المجمل إلى واضع هذا القانون وغارسه في النفوس؛ كما فعل «ديكارت» في فكرة «الكمال»، ولكن طريقة التعقيد والتحايل والدوران قد أطالت عليه الشقة، ولم تصل به في النهاية إلا إلى فرض غير محقق - في نظره - ولا قائم على أساس متماسك. (5) المذهب الاجتماعي ومناقشته
يخالف العلامة «دوركايم»
Durkheim
جميع المذاهب المتقدمة في دعواها أن التدين حالة نفسية تنبع من فطرة الفرد كلما فكر في الآفاق أو في نفسه، ويرى هو أن التدين وليد أسباب اجتماعية،
14
بل يذهب إلى أبعد من ذلك، فيزعم أن عناصر التفكير، وأسس المعرفة العقلية نفسها، ما هي إلا صور ولدتها حياة الجماعة، وطبعتها على غرار النظم الاجتماعية.
15
ونحن لا يعنينا هنا نقد فكرته في نظرية المعرفة، بل نريد أن نعرض رأيه في أصل التدين ثم نعقب عليه.
لقد مهد لمذهبه بتقديم جملة مقدمات، أهمها أن خير وسيلة لتفسير ظاهرة معقدة كالظاهرة الدينية أن تدرس في بداية نشأتها، قبل أن تخالطها عناصر غريبة عنها، وأن ذلك يكون بيئات الأمم «البدائية»،
16
وهي في نظره تلك الأمم التي لا تتميز فيها الأسر الخاصة بخاصية مستقلة، بل تقوم على نظام القبائل
Tridus
والفصائل
Phatries
والعشائر
Clans .
ومعروف أن العشائر - وهي النواة الصغرى في تلك المجتمعات - قوامها وحدة اللقب المشترك بين أفرادها، وهو لقب يشتق في الغالب من اسم حيوان، أو نبات، وفي النادر من اسم عنصر جمادي، أو كوكب من الكواكب، وتعتقد العشيرة أنها لها بمسمى هذا الاسم صلة قديمة، حيوية أو روحية - إما على أنها تسلسلت عنه، أو أنه كان حليفا أو حارسا لجدها الأعلى، أو نحو ذلك - ولذلك تعظمه وترسم صورته على مساكنها، وأدواتها، وأسلحتها، وراياتها، بل يتخذ الأفراد منه وشما يطبعونه على أجسامهم، كأنه بطاقة شخصية لتحقيق انتساب كل منهم إلى عشيرته.
هذا النظام يسمى نظام التوتيم
Totem
17
أو اللقب الأسري، وهو نظام معروف في الشعوب القديمة: «المصرية، والإثيوبية، والعربية، واليونانية، والرومانية، والغالية» وتوجد آثار منه في الأساطير الشعبية في أوروبا الآن،
18
ولا يزال منتشرا في القبائل غير المتحضرة في أمريكا، وأستراليا، وهذه الأخيرة - فيما يعتقد «دوركايم» - هي أخصب مكان لدراسة هذه الظاهرة؛ لأن سكانها أقل تطورا وأقرب إلى الطبيعة الأولى من غيرهم؛ ولذلك استمد منها الوقائع التي بنى عليها نظريته.
وخلاصة هذه الوقائع أن تلك الأمم في تعظيمها لألقابها تعظم في الوقت نفسه مسمى تلك الألقاب، ولما كان الاسم مشتركا بين الحيوان، وبين الجد الأعلى وبين أفراد العشيرة، وكانت الصلة بين هذه المعاني الثلاثة في نظرها صلة تجانس تام ترجعها إلى جوهر واحد، شمل التعظيم ثلاثتها، لكن الحظ الأكبر من التعظيم يدخرونه لهذا الاسم المشترك، أو لتلك الصورة الجامعة وهي الوسم أو الوشم: حتى إنهم نسبوا إلى هذه الصورة خصائص عجيبة، فزعموا أن الذي يحملها ينصر في الحرب على أعدائه، ويوفق في تسديد السهم إلى رميته، وأن وضعها على القروح يسرع في التئامها، إلى غير ذلك.
إلا أن هذا التعظيم في العادة لا يصل إلى درجة العبادة، ولا يوحي فكرة التدين والتقديس والتأليه؛ ولذلك يقضون جل أوقاتهم في حياة فاترة كل يسعى لقوته، منعزلا في الجبل للاحتطاب، أو على شاطئ البركة للصيد، وليس لهم مظهر من مظاهر التدين في هذه الأحوال العادية سوى التورع عن بعض المحظورات، وإنما يأخذ التدين حقيقته ومظهره التام عندهم في مواسم خاصة، تقام فيها الحفلات المرحة الصاخبة، التي يطلقون فيها العنان لحركاتهم العنيفة، وصيحاتهم المنكرة، على إيقاع الطبول، ولحن المزامير، وقد ركزوا السارية التي تحمل علم العشيرة في سرة الحفل؛ فينتهي بهم هذا الحماس الصاخب إلى الذهول والهذيان، بل يفضي بهم إلى انتهاك سياج المحرمات الجنسية التي يحترمونها أشد الاحترام في العادة. وربما نسبوا هذا التطور العجيب إلى حضور سر الأجداد فيهم عن طريق هذا الرمز، وعبادتهم للروح التي يرمز إليها، ظنا منهم أنها هي التي أحدثت فيهم هذا التحول الروحي الغريب.