20
وأما المقدمة الثانية - وهي أن نظام القبيلة يمثل طورا تاريخيا أقدم من نظام الأسرة - فهي دعوى لا تزال يعوزها الدليل، بل تقوم بعض الأدلة الأثرية والتاريخية على عكسها؛ فالآثار الباقية من عهد القبائل الآرية والسامية يتبين منها أنها كانت قائمة على النظام الأسري، الذي تتضامن فيه أفراد الأسرة في الحقوق والواجبات، والذي يتمتع فيه الأب بأوسع السلطات على أعضاء أسرته، وإذا قرأنا الأوصاف التي ذكرها «أرسطو»
Aristote
و«هوميروس»
Homere
للشعوب المعاصرة لليونان - والتي كانت أقرب منهم إلى الفطرة والسذاجة - نرى أن المعيار الذي كانوا يميزون به هذه الشعوب عن الشعوب المتحضرة هو أنهم ليس لهم مجالس شورى، وأن كل واحد منهم يتولى الحكم على زوجه وأولاده.
21
وكذلك نقول في المقدمة الثالثة، وهي أن قبائل أستراليا الوسطى تمثل أقدم نظام معروف للقبائل؛ فهي أيضا مسألة فيها نظر، وهذا «روبرت شميت» من كبار الباحثين، الذين قاموا بدراسات شخصية دقيقة في أستراليا، يقرر أن القبائل المذكورة هي أحدث القبائل الأسترالية وأكثرها تقدما، وأن أقدم قبائل أستراليا هم سكان جنوبها الشرقي، وهؤلاء لا يعرفون نظام الألقاب الحيوانية السالفة الذكر، وفي الوقت نفسه توجد عندهم عقيدة «الإله الأعلى» بصفة واضحة، على أن اللوحة التي رسمها «دوركايم» نفسه لحياة قبائل الوسط تكفي وحدها للدلالة على أننا أمام أمة قد بعدت عن سذاجة الفطرة، وقطعت أشواطا واسعة في نظامها المدني والاقتصادي، يبدو ذلك جليا فيما عندها من قواعد الزواج، والنسب، والملكية، وتنظيم مواسم الصيد وغيرها.
بل إن نظام التسمية وحده كان يحتاج في إنشائه وتثبيته إلى عصور متطاولة للتعاقب عليه بين الأمة جيلا فجيلا، حتى وصل إلى هذا الوضع الهندسي الدقيق، الذي يلاحظ فيه دائما أن تقسيم كل قبيلة إلى فصيلتين اثنتين لا زائد عليهما، وأن يكون لقب القبيلة مشتقا من جنس عام، وألقاب الفصيلتين من نوعين متقابلين تقابل التضاد تحت هذا الجنس، ثم تتفرع من كل فصيلة عشائرها المتعددة بألقابها المختلفة كأغصان الشجرة؛ بحيث لا تشترك عشيرتان قط في لقب واحد؛ ولذلك عد علماء هذا الفن نظام ال
totem
نظاما مدنيا، قضائيا، اقتصاديا، أكثر منه نظاما دينيا،
22
بل إن البحاثتين «لانج»
Lang
و«فريزر»
Frazer
لم يريا فيه عنصرا دينيا البتة، وقررا أن فكرة الدين والألوهية تكونت في هذه القبائل بعيدا عن نظام اللقب الأسري المعروف.
23
ونحن نذهب إلى هذا المذهب الأخير، ولا نرى في هذه الألقاب والرموز عندهم إلا شعارا قوميا يعرفهم أنسابهم، وينمي فيهم شعور الوطنية، وباعثة التعاون، واحترام قانون توزيع الملكية وسائر قوانين الجماعة، فهم لا يعبدون تلك الرسوم ولا مدلولاتها، بل لهم معبود روحي يعتمدون عليه في جلائل أعمالهم ودقائقها، حتى إنهم ليستلهمونه أو يدعونه ليرشدهم إلى انتقاء أمثل الأسماء لأبنائهم، كما أنهم في تحريمهم لبعض المحرمات إنما يستندون إلى روايات دينية متوارثة عن أسلافهم، ينسبونها إلى أمر الله.
والعجيب أن رئيس المدرسة الاجتماعية الفرنسية يعترف بأن عددا من قبائل أستراليا قد وصلوا إلى فكرة «الإله الأعلى» أو «الإله الأحد»، وأنه كائن أزلي أبدي تسير الشمس والقمر والنجوم بأمره، وأنه هو الذي يثير البرق، ويرسل الصواعق، وإليه يتوجه في الاستسقاء وفي طلب الصحو، وهو الذي خلق الحيوان والنبات، وصنع الإنسان من الطين ونفخ فيه الروح، وهو الذي علم الإنسان البيان، وألهمه الصناعات، وشرع له العبادات، وهو الذي يقضي في الناس بعد الموت فيميز بين المحسن والمسيء.
24
ثم يقرر أيضا أن هذه العقائد كلها ليست مقتبسة من أوروبا كما ظن تيلور، بل إنها قديمة في هذه القبائل قبل أن يصل إليها المبشرون الأوروبيون، وأنهم يعبرون عن هذه العقائد بعبادات حقيقية، ترفع فيها الأيدي إلى السماء بالدعاء.