لكن مقتضى الوضع العقلي السليم أن تكون الفضيلة والسعادة صنوين، والرذيلة والشقاء توأمين، وأن توزع درجات البؤس والنعيم على حسب الأعمال وبواعثها ومقاصدها، فلا بد إذن من مبدأ أعلى يحقق هذا التوازن، مبدأ تخضع الطبيعة لإرادته، ويسير هو في تصرفاته على وفق قانون عادل، وما ذلك إلا خالق الطبيعة والإنسان جميعا، وهو الله تعالى.
فكان وجود الله هو المطلب الأخير، الذي لا بد من تسليمه لتصحيح معقولية القانون الأخلاقي.
الناظر في هذا النسق الفكري قد يروقه ما فيه من نسيج بديع مبتكر، ولكن الذي يفلي سداه ولحمته سوف يجد في طياته خيوطا واهنة، وعناصر غريبة، سترتها مهارة الصنعة وحسن السبك؛ بل سيجد أن هذه المقدمات الثلاث التي يتألف منها الاستدلال ليست بالمقدمات البديهية، ولا بالمبرهنة، ولا بالتي يتوقف عليها صحة المطلوب.
أما المقدمة الأولى فلأن القانون الأخلاقي وإن كان في جملته مركوزا في أصل النفوس، ولكنه على الصورة التي يصوره بها «كانت» لا يفرض نفسه على كل العقول، بل تمجه كثير من الطباع السليمة، ليس لأنه عنيف، قاس، فحسب، أو لأنه يمحو الفروق بين الواجبات الأساسية والواجبات التكميلية، بل لأنه فوق ذلك كله يقلب الأوضاع والموازين المألوفة؛ إذ يقتضي أن الذي يمتثل الأمر عن أريحية ورضى لا يكون قد أدى واجبه، وإنما يكون ممتثلا إذا فعله وهو كاره له، متبرم به، وهكذا تبعد النفوس الخيرة عن المثل الأعلى للفضيلة، بقدر ما تقترب منه النفوس الشريرة حين تحمل نفسها على فعل الواجب حملا.
وأما المقدمة الثانية فلأن الواجب المطلوب - وهو تحقيق الخير المطلق لذاته غير مشوب بطلب منفعة، ولا معاضدا بنزعة شريفة أو غيرها - إن لم يكن ممكنا لم يكن واجبا، كما يعترف به «كانت»، وإن كان يمكن تحقيقه في مرحلة ما من مراحل الحياة المستقبلة لم يبق لفرضية أبدية الروح مستندا؛ إذ يكون القول ببقائها لحظة واحدة بعد أداء الواجب قولا بما هو أكثر من المطلوب، وإن كان ليس هناك لحظة واحدة في الحاضر ولا في المستقبل يمكن فيها إخلاص الامتثال، يكون القول بالخلود قولا بما هو دون المطلوب؛ لأنه متى فرض أن انضمام أدنى باعثة للخير إلى باعثة الامتثال المجرد يهدم الفضيلة من أساسها؛ أصبحت المسألة ليست مسألة تدرج يترقى فيها الناقص نحو الكمال، بل هي مسألة أعداد سلبية متتالية؛ وضم السلب إلى السلب لا ينتج إيجابا، ولو سار إلى غير نهاية، على أن التكمل على الوجه الذي يفهمه «كانت» يفضي بنا إلى صورة عجيبة جدا؛ إذ لا بد أن يفترض أن النزعات الشريفة في تلك الحياة الباقية تأخذ في الاضمحلال شيئا فشيئا، لتحل محلها نزعات مقاومة للخير؛ تحتاج إلى مجاهدة عنيفة تزداد عنفا على مر الزمان؛ ليكون أداء الواجب معها لمحض الواجب رغم كل مقاومة. فما أبدع هذا الفردوس الذي لا يتبوأ عرشه إلا الشياطين!
وأما المقدمة الثالثة فلأنها أدخلت باسم قانون الأخلاق عنصرا غريبا عن قانون الأخلاق، وهو مطلب السعادة بمعناها العامي - ألا وهو تحقيق الأماني وإرضاء الرغبات الحيوية - والواقع أن الفضيلة والسعادة بهذا المعنى حقيقتان متباينتان: إحداهما إلزام عقلي يجيء من عل، والأخرى نزعة مادية تلتمس وتتضرع لقضاء حاجتها. وطلب النفس الجمع بين هذين الطرفين، تشوفا إلى قانون أعلى ينتظم القانونين الأدبي والطبيعي وينسق اتجاههما؛ إنما هو تشوف إلى حلية شكلية، ووضع هندسي تكميلي، وليس تشوفا إلى ضرورة عقلية، ولا إلى مطلب أخلاقي. أما أن هذا الاتساق ليس ضرورة عقلية؛ فلأنه لا يلزم من فرض عدمه محال، ولا أدل على إمكان الانفصام بين القانونين من وقوع هذا الانفصام واستمراره بالفعل، وأما أنه ليس مطلبا أخلاقيا؛ فلأننا نعرف أن الفضلاء يغتبطون - وهم في أحضان البؤس والشقاء، يقاسون ألوان الحرمان وأنواع التضحيات - بمجرد شعورهم بإرضاء ضميرهم وأداء واجبهم، ويجدون في هذا متعة حقيقية لا تدانيها متعة في الحياة.