تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل إن هذه العلائق مجتمعة، مهما يكن أثرها الظاهري من كف الأذى وبذل المعروف المتبادل، تظل روابط سطحية تضم الأفراد كما تضم الأعواد في ضغث، ولا تزال تتخللها الفجوات والثغرات والحواجز النفسية ... حتى تشدها رابطة الأخوة في العقيدة، والمشاركة في المثل العليا، فهنالك تعود الكثرة وحدة، وتصبح النفوس كالمرايا المتقابلة تنعكس صور بعضها في بعض.

بل كثيرا ما تستغني هذه الوحدة الروحية عن سائر الوحدات الأخرى، فتنعقد بها أقوى الوشائج وأدومها بين أفراد اختلفت أجناسهم، وتباينت لهجاتهم، وتباعدت ديارهم، وتفاوتت مصالحهم. وكثيرا ما نرى الدول التي تقوم على قاعدة المصالح المشتركة في الوطن بين ملل مختلفة تضطر إلى الاستنجاد بما في هذه الأديان كلها من مبدأ التعاون على الخير، والتناصر على دفع عدوان المغيرين؛ ولذلك قيل بحق: إن الوطنية التي لا تعتمد على باعثة من الخلق والدين إنما هي حصن متداع يوشك أن ينهار.

وجملة القول: أن الأديان تحل من الجماعات محل القلب من الجسد، وأن الذي يؤرخ الديانات كأنما يؤرخ حياة الشعوب، وأطوار المدنيات.

المبحث الرابع

| في نشأة العقيدة الإلهية

الفصل الأول

| العوامل الأولى لإيقاظها في النفوس ودعائمها في العقل الغريزي

(1) قانونا السببية والغائية

أشرنا في البحث السابق إلى أن ظاهرة التدين تستند في أصلها إلى مبدأين مرتكزين في بداهة العقول، وهما قانونا «السببية والغائية»، ونبادر الآن فنكرر أن هذين القانونين متى فهما على كمالهما انتهيا إلى أسمى العقائد الدينية: عقيدتي التوحيد والخلود؛ وأن عقائد الشرك والوثنية والفناء إنما هي وليدة ضرب من الغفلة أو الكسل العقلي يقف بها في بعض الطريق.

أما قانون السببية فيقرر أن شيئا من «الممكنات»

1 «لا يحدث بنفسه من غير شيء»؛ لأنه لا يحمل في طبيعته السبب الكافي لوجوده، «ولا يستقل بإحداث شيء»؛ لأنه لا يستطيع أن يمنح غيره شيئا لا يملكه هو، كما أن الصفر لا يمكن أن يتولد عنه عدد إيجابي، فلا بد له في وجوده وفي تأثيره من سبب خارجي، وهذا السبب الخارجي إن لم يكن موجودا بنفسه احتاج إلى غيره، فلا مفر من الانتهاء إلى سبب ضروري الوجود يكون هو سبب الأسباب.

وأما قانون الغائية فمن موجبه أن كل نظام مركب متناسق مستقر لا يمكن أن يحدث عن غير قصد، وأن كل قصد لا بد أن يهدف إلى غاية، وأن هذه الغاية إذا لم تحقق إلا مطلبا جزئيا إضافيا منقطعا، تشوفت النفس من ورائها إلى غاية أخرى ... حتى تنتهي إلى غاية كلية ثابتة هي غاية الغايات.

نعم، إن طاقة البشر، وطبيعة المخلوق، أعجز من أن تحصي مراحل الأسباب والغايات مرحلة مرحلة، وتتابع سلسلتها حلقة حلقة، حتى تشهد بداية العالم ونهايته؛ ولذلك يئست العلوم التجريبية من معرفة أصول الأشياء وغاياتها الأخيرة، وأعلنت عدولها عن هذه المحاولة، وكان قصاراها أن تخطو خطوات معدودة إلى الأمام أو إلى الوراء، تاركة ما بعد ذلك إلى ساحة الغيب التي يستوي في الوقوف دونها العلماء والجهلاء.

ولكن هذا اليأس الإنساني من معرفة أطوار الكائنات تفصيلا في ماضيها ومستقبلها، يقابله يقين إجمالي ينطوي كل عقل على الاعتراف به طوعا أو كرها، وهو أنه مهما طالت سلسلة الأسباب الممكنة والغايات الجزئية، وسواء أفرضت متناهية أو غير متناهية؛ فإنه لا بد لتفسيرها وفهمها ومعقولية وجودها من إثبات شيء آخر يحمل في نفسه سبب وجوده وبقائه، بحيث يكون هو الأول الحقيقي الذي ليس قبله شيء، والغاية الحقيقية التي ليس بعدها شيء، وإلا لبقيت كل هذه الممكنات في طي الكتمان والعدم، - إن لم يكن لها مبدأ ذو وجود مستقل - أو لبقيت لغزا وعبثا غير معقول - إن لم تكن لها غاية تامة تنقطع بها لجاجة النفس ويستقر مضطربها.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٣٨