تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الخطأ البين أن نظن أن في نشر العلوم والثقافات وحدها ضمانا للسلام والرخاء، وعوضا عن التربية والتهذيب الديني والخلقي، ذلك أن العلم سلاح ذو حدين: يصلح للهدم والتدمير، كما يصلح للبناء والتعمير، ولا بد في حسن استخدامه من رقيب أخلاقي يوجهه لخير الإنسانية وعمارة الأرض، لا إلى نشر الشر والفساد.

ذلكم الرقيب هو العقيدة والإيمان.

غير أن الإيمان على ضربين: «إيمان» بقيمة الفضيلة، وكرامة الإنسانية، وما إلى ذلك من المعاني المجردة، التي تستحي النفوس العالية من مخالفة دواعيها، ولو أعفيت من التبعات الخارجية والأجزية المادية، و«إيمان» بذات علوية، رقيبة على السرائر، يستمد القانون سلطانه الأدبي من أمرها ونهيها، وتلتهب المشاعر بالحياء منها، أو بمحبتها، أو بخشيتها، ولا ريب أن هذا الضرب هو أقوى الضربين سلطانا على النفس الإنسانية، وهو أشدهما مقاومة لأعاصير الهوى وتقلبات العواطف، وأسرعهما نفاذا في قلوب الخاصة والعامة. (3-1) حاجة المجتمع إلى الدين والأخلاق

ومن أجل ذلك كان التدين خير ضمان لقيام التعامل بين الناس على قواعد العدالة والنصفة؛ وكان لذلك ضرورة اجتماعية، كما هو فطرة إنسانية.

وأنت، فهل عسيت أن يخالجك شيء من الشك في مدى حاجة الجماعة في مختلف الأمم والشعوب إلى ازدهار هذا الروح الديني فيها؟ وهل غرك أن دولا كبيرة أسست نهضتها في عصرنا هذا على غير الدين، وقد استتب النظام فيها ومكن لها في الأرض؟ (3-2) شهادة العلماء والساسة والقواد

إننا لا نريد أن نسبق الحوادث، وأن نتنبأ بمصير هذا البنيان الذي أسس على غير تقوى من الله ورضوان، ولكننا نحب أن نقدم لك نموذجا، لا من أقوال رجال الدين، بل من أقوال أقطاب العلم، وزعماء السياسة، وقواد الحرب، وفي تلك الدول نفسها، فاستمع إلى قول روبرت ميلليكان

Robert Millqkan

العالم الطبيعي الأميريكي: «إن أهم أمر في الحياة هو الإيمان بحقيقة المعنويات وقيمة الأخلاق، ولقد كان زوال هذا الإيمان سببا للحرب العامة، وإذا لم نجتهد الآن لاكتسابه أو لتقويته فلن يبقى للعلم قيمة، بل يصير العلم نكبة على البشرية.»

1

وقول الدكتور ويلسون

Le President Wilson

الرئيس الأسبق للولايات المتحدة بأمريكا: «وخلاصة المسألة أن حضارتنا إن لم تنفذ بالمعنويات فلن تستطيع المثابرة على البقاء بماديتها؛ وأنها لا يمكن أن تنجو إلا إذا سرى الروح الديني في جميع مسامها ... ذلك هو الأمر الذي يجب أن تتنافس فيه معابدنا، ومنظماتنا السياسية، وأصحاب رءوس أموالنا، وكل فرد خائف من الله محب لبلده.»

2

وقول الماريشال بيتان

Le Marechal Philppe Petain

عاهل الدولة الفرنسية في خاتمة خطابه الذي أذاعه على أمته في يوم 25 يونيو 1940 عقب توقيع الهدنة التي التمسها من زعيم ألمانيا المنتصرة: «إنني أدعوكم أول كل شيء إلى نهوض أخلاقي.» وقول المارشال مونتجومري

Montgomery

في خطبته أمام الجيش الثامن يوم 4 مارس 1951: «إن أهم عوامل الانتصار في الحرب هو العامل الأخلاقي؛ ولا يمكن لقائد أن يدفع جنوده إلى بذل أقصى جهودهم في العمل إلا إذا كانت ضمائرهم مرتاحة إلى ما يعملونه، ويقيني أن الجيش إذا سار على غير مرضاة الله سار على غير هدى، إن خطر الانحطاط الخلقي في أفراد الجيش أعظم من خطر العدو؛ ولذلك لا نستطيع أن ننتصر في معركة إلا إذا انتصرنا على أنفسنا قبل كل شيء.» (4) الرباط الروحي وتماسك المجتمع

إن الخدمة الجليلة التي تؤديها الأديان للجماعة لا تقف عند هذا الحد، فليست كل مهمتها أنها المبعث القوي لتهذيب السلوك، وتصحيح المعاملة، وتطبيق قواعد العدل، ومقاومة الفوضى والفساد؛ بل إن لها وظيفة إيجابية أعمق أثرا في كيان الجماعة؛ ذلك أنها تربط بين قلوب معتنقيها برباط من المحبة والتراحم، لا يعدله رباط آخر من الجنس، أو اللغة، أو الجوار، أو المصالحة المشتركة.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٣٧