نقول: إن وجود هذه الحقيقة الأولى والأخيرة ضرورة عقلية لا مناص من التسليم بها، ولا مجال لأحد أن يكابر فيها متى فكر قليلا في الوضع الذي يئول إليه إنكارها، اللهم إلا إذا فرضناه كائنا أخرق، لا يذعن لقواعد المنطق والحساب، ولا يبالي أن يبطل كل شيء في الأذهان.
الفصل الثاني
| عواملها في الوعي المتيقظ والشعور المتوقد
(1) ما الأسباب المباشرة التي أيقظتها في النفوس؟
فإذا سألنا هنا عن نشأة العقيدة الإلهية، فليس سؤالنا منشأ هذه الضرورة الكامنة في العقل الباطن، والتي هي من الأوليات التي لا يسأل عن مصدرها، وإنما السؤال عن العوامل والملابسات التي تكون قد رفعت هذه الحقيقة إلى مستوى الوعي المتيقظ، ثم لم تكتف بإبرازها أمام العقل قضية نظرية، بل حولتها إلى فكرة حية ملهبة للمشاعر، وطبعت موضوعها بطابع خاص يجعله ذاتا علوية تتوجه إليها القلوب بالرغبة والرهبة، والدعاء والخضوع.
جمهور الباحثين في هذه المسألة لا يطلبون من بحثهم الوقوف على الأسباب العامة التي تتيسر دراستها ويمكن التحقق من وجودها في كل عصر، والتي يعقل أنها هي التي أيقظت ولا تزال توقظ الحاسة الدينية في الإنسان، بل يفهمون من كلمة «نشأة الدين.» الصورة التي ظهرت فيها الأديان أول ما ظهرت في الوجود، فالأولية التي يريدون تقريرها ليس أولية في الترتيب المنطقي فحسب - كتقدم المقدمات على النتائج - وليست أولية تاريخية نسبية - أعني: بالإضافة إلى العصور المعروفة - بل هي أولية زمانية مطلقة، تقترن بظهور الإنسان على هذا الكوكب.
والمنهج الذي يسلكونه للوصول إلى هذا المطلب هو التنقيب عن أديان الأمم القديمة، أو أديان الأمم المعاصرة غير المتحضرة، حتى إذا ما انتهى بهم السير في تلك العصور المظلمة، أو تلك الأقطار المنعزلة، إلى أقدم مظهر معروف من مظاهر التفكير الديني، اعتبروه صورة مطابقة لما كان عليه الإنسان الأول.
ولما كانت المرحلة النهائية في نظر باحث معين لا تنطبق دائما على المرحلة الأخيرة التي يصل إليها باحث آخر؛ انقسم الباحثون في الموضوع إلى شعبتين عظيمتين، تسيران في خطين متعاكسين: «ففريق منهم» يذهب إلى أن الدين بدأ في صورة الخرافة والوثنية، وأن الإنسان أخذ يترقى في دينه على مدى الأجيال حتى وصل إلى الكمال فيه بالتوحيد، كما تدرج نحو الكمال في علومه وصناعاته، حتى زعم بعضهم أن عقيدة «الإله الأحد» عقيدة جد حديثة، وأنها وليدة عقلية خاصة بالجنس السامي.
هذه النظرية نادى بها أنصار مذهب «التطور التقدمي»، أو التصاعدي
Evolu-tionnism progressisie ou ascendent ، الذي ساد في أوروبا في القرن التاسع عشر، في أكثر من فرع من فروع العلوم، وحاول تطبيقه على تاريخ الأديان عدد من العلماء منهم سبنسر
Spencer ، وتيلور
Tylor ، وفريزر
Frazer ، ودوركايم
Durkheim ، وغيرهم. وإن اختلفت وجهات نظرهم في تحديد صورة العبادة الأولى وموضوعها. «وفريق آخر» يقرر بالطرق العلمية بطلان هذا المذهب، ويثبت بالعكس أن عقيدة الخالق الأكبر هي أقدم ديانة ظهرت في البشر، مستدلا بأنها لم تنفك عنها أمة من الأمم في القديم والحديث. فتكون الوثنيات إن هي إلا أعراض طارئة، أو أمراض متطفلة، بجانب هذه العقيدة العالمية الخالدة.
وهذه هي نظرية «فطرية التوحيد وأصالته»، التي انتصر لها جمهور من علماء الأجناس، وعلماء الإنسان، وعلماء النفس، ومن أشهر مشاهيرهم لانج
Lang
الذي أثبت وجود عقيدة «الإله الأعلى» عند القبائل الهمجية في أوستراليا، وإفريقيا، وأمريكا. ومنهم شريدر
Sheroeder
الذي أثبتها عند الأجناس الآرية القديمة؛ وبروكلمان
Brockelman
الذي وجدها عند الساميين قبل الإسلام، ولرواه
La Roy
وكاترفاج
Quatrefages
عند أقزام أواسط إفريقيا، وشميدت