إن هذا الشوق الغريزي إلى الأزلي الأبدي، وهذا الطلب الحثيث للكلي اللانهائي، له دلالتان عميقتان: إحداهما دلالته على مطلوبه، لا كدلالة الحركة القسرية على مصدر جاذبيتها كما يقول أرسطو، بل كدلالة الأثر على صانعه، أو الخاتم على طابعه - حسب تعبير ديكارت - وثانيهما دلالته على أن في الإنسان عنصرا نبيلا سماويا خلق للبقاء والخلود، وإن تناساه الإنسان وتلهى عنه حينا، قانعا بالدون من الحياة الجثمانية المتحطمة.
التدين إذن - ولا سيما في أديان التوحيد والخلود - عنصر ضروري لتكميل القوة النظرية في الإنسان؛ فبه وحده يجد العقل ما يشبع نهمته، ومن دونه لا يحقق مطامحه العليا. (1-2) قوة الوجدان في إشباع العواطف النبيلة
ثم هو فوق ذلك عنصر ضروري لتكميل قوة الوجدان؛ فالعواطف النبيلة من الحب، والشوق، والشكر، والتواضع، والحياء، والأمل، وغيرها، إذا لم تجد ضالتها المنشودة في الأشياء ولا في الناس، وإذا جفت ينابيعها في هذا العالم المتبدل المتبدد، وجدت في موضوع الدين مجالا لا تدرك غايته، ومنهلا لا ينفد معينه. (1-3) قوة الإرادة لتكوين البواعث والدوافع
وأخيرا هو عنصر ضروري لتكميل قوة الإرادة، يمدها بأعظم البواعث والدوافع، ويدرعها بأكبر وسائل المقاومة لعوامل اليأس والقنوط.
وهكذا نرى الفكرة الدينية تعبر عن حاجات النفس الإنسانية في مختلف ملكاتها ومظاهرها، حتى إنه كما صح أن يعرف الإنسان بأنه «حيوان مفكر»، أو بأنه «حيوان مدني بطبعه»، يسوغ لنا كذلك أن نعرفه بأنه «حيوان متدين بفطرته».
الفصل الرابع
| وظيفة الأديان في المجتمع
(1) التدين أقوى كفالة لاحترام القانون
عرفنا أن الفكرة الدينية هي الغذاء الوافي لقوى النفس المختلفة، والمداد الخالد لحيويتها، ونزيد الآن بأن للأديان وراء هذه الوظائف النفسية الفردية وظائف أخرى اجتماعية، ليست بأقل من أختها خطرا.
لا حاجة بنا إلى التنبيه على أن الحياة في الجماعة لا قيام لها إلا «بالتعاون» بين أعضائها؛ وأن هذا التعاون إنما يتم «بقانون» ينظم علاقاته، ويحدد حقوقه وواجباته، وأن هذا القانون لا غنى له عن «سلطان» نازع وازع، يكفل مهابته في النفوس ويمنع انتهاك حرماته.
تلك كلها مبادئ مقررة، والحديث فيها معاد مملول.
وإنما الشأن - كل الشأن - في هذا السلطان النازع الوازع، ما هو؟
فالذي نريد أن نثبته في هذه الحلقة من البحث هو أنه ليس على وجه الأرض قوة تكافئ قوة التدين أو تدانيها في كفالة احترام القانون، وضمان تماسك المجتمع واستقرار نظامه، والتئام أسباب الراحة والطمأنينة فيه. (2) الإنسان أسير فكرة وعقيدة لا كما يزعم كارل ماركس
السر في ذلك أن الإنسان يمتاز عن سائر الكائنات الحية بأن حركاته وتصرفاته الاختيارية يتولى قيادتها شيء لا يقع عليه سمعه ولا بصره، ولا يوضع في يده ولا عنقه، ولا يجري في دمه، ولا يسري في عضلاته وأعصابه، وإنما هو معنى إنساني روحاني، اسمه الفكرة والعقيدة، ولقد ضل قوم قلبوا هذا الوضع وحسبوا أن الفكر والضمير لا يؤثران في الحياة المادية والاقتصادية، بل يتأثران بها، هذا الرأي الماركسي هو - قبل كل شيء - نزول بالإنسان عن عرش كرامته، ورجوع به القهقرى إلى مستوى البهيمية، ثم هو تصوير مقلوب للحقائق الثابتة المشاهدة في سلوك الأفراد والجماعات في كل عصر، لكي يختار الناس أن يحيوا حياة مادية لا نصيب فيها للقلب ولا للروح، لا بد أن يقنعوا أنفسهم - بادئ ذي بدء - بأن سعادتهم هي في هذا النوع من الحياة، فالإنسان مقود أبدا بفكرة صحيحة أو فاسدة، فإذا صلحت عقيدته صلح فيه كل شيء؛ وإن فسدت فسد كل شيء.
أجل، إن الإنسان يساق من باطنه لا من ظاهره، وليست قوانين الجماعات ولا سلطان الحكومات بكافيين وحدهما لإقامة مدينة فاضلة تحترم فيها الحقوق، وتؤدى الواجبات على وجهها الكامل؛ فإن الذي يؤدي واجبه رهبة من السوط أو السجن أو العقوبة المالية، لا يلبث أن يهمله متى اطمأن إلى أنه سيفلت من طائلة القانون. (3) ليس في العلوم والثقافات وحدها ضمان للسلام «العلم سلاح ذو حدين»