تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم انتهوا إلى رفض كل تفسير خارجي أو داخلي، واكتفوا بتسجيل الحوادث كما هي، ومعرفة ما بينها من ترابط وجودي بقطع النظر عن أسبابها وغاياتها. وعلى هذا يكون دور التفكير الديني يمثل الحال البدائية التي تلهت بها الإنسانية في مرحلة طفولتها؛ فلما كبرت عن الطوق خلعتها لتستبدل بها ثوبا وسطا في دور مراهقتها؛ حتى إذا بلغت أشدها، واكتمل رشدها، أخذت حلتها الأخيرة من العلوم التجريبية.

1 (1-1) مناقشة هذه النظرية

نقطة الخطأ البارزة في هذا المذهب التطوري هي أن أنصاره جعلوا منه قانونا يستوعب التاريخ كله في شرط واحد، قطعت الإنسانية ثلثيه بالفعل، ونفضت - أو كادت تنفض - يدها منهما إلى غير رجعة، فلن تعود إليهما إلا أن يعود الكهل إلى طفولته وشبابه.

ولو أنهم جعلوا منه سلسلة دورية، كلما ختمت شوطا رجعت عودا على بدء، لكان الخطأ في هذه النظرية أقل شناعة، ولكنها بعد ذلك تظل دعوى غير مسلمة، لا لأنها مجردة عن البرهان فحسب، بل لأنها تحرف التاريخ وتصادم العيان، فنحن ما زلنا نسمع ونرى في كل عصر تقديسا للروحانيات، وشغفا بالمعنويات والمعقولات الكلية عند فريق من الناس، إلى جانب الكلف بالحوادث والحقائق الجزئية عند فريق آخر، وليس الحد الذي يفصل بين المعسكرين هو جهل أحدهما بالتجارب الكونية وخبرة الآخر بها؛ إذ كثيرا ما نجد من بين الجهلاء جاحدين متعصبين، كما نجد من بين علماء المادة مؤمنين متحمسين، وها نحن أولاء، في القرن العشرين، وفي قلب الحضارة الأوروبية، نرى إلى جانب البحوث المادية المتشعبة، دراسات روحية واسعة، تقوم بها جماعات محترمة من كبار علماء

2

الطب والفلسفة والطبيعة، على منهاج علمي دقيق، وبأسلوب برهاني يعتمد على التحليل والنقد الصارم، الذي ينحي عن الوقائع كل ما عساه أن يعلق بها من تزوير وخداع، وكل ما يحوم حولها من وهم وتسرع في الحكم، ولا يقبل منها إلا ما يؤيده اليقين، وما ينتهي إليه البحث الدقيق الرزين.

فالواقع أن الحالات الثلاث التي يصورها «كونت» لا تمثل أدوارا تاريخية متعاقبة، بل تصور نزعات وتيارات متعاصرة في كل الشعوب، وليست كلها دائما على درجة واحدة من الازدهار أو الخمول في شعب ما، ولكنها تتقلب بها الأقدار بين بؤسى ونعمى، ونحوس وسعود.

بل نقول: إن هذه النزعات الثلاث متعاصرة متجاورة في نفس كل فرد، وإن لها وظائف يكمل بعضها بعضا في إقامة الحياة الإنسانية على وجهها، ولكل وحدة منها مجال يوائمها، ففي الوقت الذي نفسر فيه الحوادث العادية بأسبابها المباشرة، خارجية أو داخلية، فنقول: هلك فلان بضربة سيف أو بالشيخوخة أو المرض، لا يزال كل واحد منا يفسر الحوادث الشاذة الخارقة بالقضاء والقدر، أو بسبب غيبي مجهول.

بل نذهب إلى أبعد من ذلك، فنقرر أن النظرة الوقوعية تقع في مبدأ الطريق لا في نهايته، وأنها تمثل مرحلة الطفولة النفسية، لا مرحلة النضج والكمال، ذلك بأن مبعثها الحاجة العاجلة وضرورة الحياة اليومية، وبأنها وظيفة الحس لا العقل، وبأنها من معدن القابلية والانفعال، لا من معدن الفاعلية والإنشاء.

أما نظرة التعليل بالمعاني العامة فإنها تنبثق في النفس على أثر ذلك، متى استيقظت ملكتا التجريد والتعميم في التصورات والأحكام، فلا يكتفي الذهن حينئذ بجمع الحوادث المترابطة في سلسلة متعاقبة، كما تجمع الأعواد في الحزمة، بل يحاول ربطها برباط معنوي تدور في فلكه، ويكون كالسلك الداخلي الذي ينتظم حبات العقد.

ونؤكد أن المعارف الإنسانية لا تستحق اسم العلم حتى تأخذ بنصيب قليل أو كثير من هذا التجريد والتعميم، الذي يضع كل مجموعة في نطاق يضبطها، تحت لقب مشترك يسهل به استحضارها ويكون لها بمثابة قانون كلي تعلل به جزئياته، بل العلوم الواقعية تسعى الآن جاهدة للاندماج برمتها في منظمة تنسقها وتخضع جميع ظواهرها لناموس واحد، وهذا هو ما يسمى بمبدأ «وحدة الوجود» بمعناه العلمي

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٣٠