واعلم أن عموم الأديان لجميع الأمم لا يعني عمومها لكل أفرادها؛ فإنه لا تخلو أمة من وجود «ذاهلين» قد غمرتهم تكاليف الحياة وأعباؤها، إلى حد أنهم لا يجدون من هدوء البال وفراغ الوقت ما يمكنهم من رفع رءوسهم للنظر في تلك الحقائق العليا؛ كما لا تخلو أمة من «منكرين ساخرين» يحسبون الحياة لهوا ولعبا، ويتخذون الدين وهما وخرافة، لكن هؤلاء دائما هم الأقلون في كل أمة، وهم - في الغالب - من المترفين الذين لم يصادفهم من عبر الحياة وأزماتها ما يشعر نفوسهم معنى الخضوع والتواضع، وما ينبه عقولهم إلى التفكير في بدايتهم ونهايتهم، وهذا الاستثناء من القاعدة لا ينفي كمون الغريزة الدينية بصفة عامة في طبيعة النفس الإنسانية، كما أن غريزة بقاء النوع لا يمنع من عمومها أن بعض الناس لا يتزوجون ولا ينسلون. (1-2) لم توجد أمة بغير دين
ولسنا ننكر أن تكون هناك عقيدة معينة قد استحدثت في عصر ما، أو أن يكون ثمة وضع خاص من أوضاع العبادات قد جاء مجاوبا مصنوعا، فذلك سائغ في العقل، بل واقع بالفعل، أما فكرة التدين في جوهرها فليس هناك دليل واحد على أنها تأخرت عن نشأة الإنسان. (1-3) شهادة العلماء
يقول معجم «لاروس» للقرن العشرين: «إن الغريزة الدينية: مشتركة بين كل الأجناس البشرية، حتى أشدها همجية، وأقربها إلى الحياة الحيوانية ... وإن الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية.»
5
ويقول: إن هذه الغريزة الدينية «لا تختفي، بل لا تضعف ولا تذبل، إلا في فترات الإسراف في الحضارة وعند عدد قليل جدا من الأفراد.»
6
وكتب بارتيلمي سانت هيلير: «هذا اللغز العظيم الذي يستحث عقولنا: ما العالم؟ ما الإنسان؟ من أين جاءا؟ من صنعهما؟ من يدبرهما؟ ما هدفهما؟ كيف بدآ؟ كيف ينتهيان؟ ما الحياة؟ ما الموت؟ ما القانون الذي يجب أن يقود عقولنا في أثناء عبورنا في هذه الدنيا؟ أي مستقبل ينتظرنا بعد هذه الحياة؟ هل يوجد شيء بعد هذه الحياة العابرة؟ وما علاقتنا بهذا الخلود؟ هذه الأسئلة، لا توجد أمة، ولا شعب، ولا مجتمع، إلا وضع لها حلولا جيدة أو رديئة، مقبولة أو سخيفة، ثابتة أو متحركة ...»
7
ويقول شاشاوان: «مهما يكن تقدمنا العجيب في العصر الحاضر ... علميا، وصناعيا، واقتصاديا، واجتماعيا، ومهما يكن اندفاعنا في هذه الحركة العظيمة للحياة العملية، وللجهاد والتنافس في سبيل معيشتنا ومعيشة ذوينا، فإن عقلنا في أوقات السكون والهدوء - عظاما كنا أو متواضعين، خيارا كنا أو أشرارا - يعود إلى التأمل في هذه المسائل الأزلية: لم وكيف كان وجودنا ووجود هذا العالم؟ وإلى التفكير في العلل الأولى أو الثانية، وفي حقوقنا وواجباتنا.»
8
ويقول هنري برجسون: «لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، ولكنه لم توجد قط جماعة بغير ديانة.»
9
الفصل الثاني
| مصير الديانات أمام التقدم العلمي
وجاء القرن التاسع عشر وقد تقرر هذا المعنى في النفوس، فلم يجرؤ أحد أن يشكك الناس فيه، بل ظهرت نظرية جديدة في الطرف المقابل، مضمونها أن الأديان وإن كانت عريقة في القدم، لكن تقدمها الزماني لا يكسبها صفة الثبات والخلود، بل هو بالعكس يطبعها بطابع الشيخوخة والهرم، وينذر بأن مصيرها إلى الاضمحلال والفناء. (1) أوجست كونت والأدوار الثلاثة
هذه هي نظرية «أوجست كونت»، فقد ذهب هذا الفيلسوف إلى أن العقلية الإنسانية قد مرت بأدوار ثلاثة:
Loi des troisages
دور الفلسفة الدينية، ثم دور الفلسفة التجريدية، ثم دور الفلسفة الواقعية، وهذا الدور الثالث في نظره هو آخر الأطوار وأسماها، فبعد أن كان الناس يعللون الظواهر الكونية بقوة أو بقوى إرادية خارجة عنها، انتقلوا إلى تفسيرها بمعان عامة، وخصائص طبيعية كامنة فيها، كقوة النمو، والمرونة، والحيوية ... إلخ.