تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Monisme Scientifiqus ، وسواء أبلغت العلوم هذا الهدف قريبا أو بعيدا أم لم تبلغه أبدا، فالذي لا شك فيه هو أن هذه النزعة إلى استنباط المعاني الكلية لم تفتر بل تزداد قوة.

بقيت النظرة الروحية، أو الدينية، وواضح أنها لا تولد في النفس إلا حينما يتسع أفقها، فتتجاوز الكون بظاهره وباطنه إلى ما وراءه، فهي أوسع النظرات مجالا، وأبعدها مطلبا.

وهكذا ينقلب الترتيب الذي تخيله الفيلسوف رأسا على عقب، وتعود الحاجات النفسية الثلاثة إلى أوضاعها الطبيعية المعقولة: حاجة الحس، فحاجة العقل، فحاجة الروح، وإن شئت قلت: حاجة الحس، فحاجة العقل القانع، فحاجة العقل المتسامي. (1-2) التدين نزعة خالدة

على أن الذي يعنينا هنا ليس هو الوضع التقويمي لكل واحدة من هذه النزعات، وإنما هو دخولها جميعا في كيان النفس الإنسانية، فكما أننا لا نجد أمارة واحدة تدل على قرب زوال النزعة الاستقرائية، أو النزعة التعليلية، كذلك لا نرى أمارة واحدة تشير إلى أن فكرة التدين ستزول عن الأرض قبل أن يزول الإنسان. (2) شهادة العلماء

يقول سالمون ريناك: «ليس أمام الديانات مستقبل غير محدود فحسب؛ بل لنا أن نكون على يقين من أنه سيبقى شيء منها أبدا؛ ذلك لأنه سيبقى في الكون دائما أسرار ومجاهيل، ولأن العلم لن يحقق أبدا مهمته على وجه الكمال.»

3

ويقول الدكتور «ماكس نوردوه» عن الشعور الديني: «هذا الإحساس أصيل يجده الإنسان غير المتمدين، كما يجده أعلى الناس تفكيرا، وأعظمهم حدسا، وستبقى الديانات ما بقيت الإنسانية، وستتطور بتطورها، وستتجاوب دائما مع درجة الثقافة العقلية التي تبلغها الجماعة.»

4

ويقول أرنست رينان

Renan

في تاريخ الأديان: «إن من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبه، وأن تبطل حرية استعمال العقل والعلم والصناعة، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين، بل سيبقى حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي، الذي يريد أن يحصر الفكر الإنساني في المضايق الدنيئة للحياة الأرضية.»

ولقد أحسن الأستاذ محمد فريد وجدي حين يقول في دائرة معارفه تعليقا على هذه الكلمة، في مادة «دين»: «نعم، يستحيل أن تتلاشى فكرة التدين؛ لأنها أرقى ميول النفس وأكرم عواطفها، ناهيك بميل يرفع رأس الإنسان، بل إن هذا الميل سيزداد ... ففطرة التدين ستلاحق الإنسان ما دام ذا عقل يعقل به الجمال والقبح، وستزداد فيه هذه الفطرة على نسبة علو مداركه ونمو معارفه.» (3) التحليل العلمي ينتهي إلى الإيمان بالغيب في العالمين الأكبر والأصغر

ولنقف قليلا عند هذه الكلمة؛ لأنه قد يبدو من المفارقات العجيبة أن يكون ازدياد العلم ونمو المعرفة سببا في نمو غريزة التدين، المبنية على طلب الغيب المجهول، ولكننا لو تأملنا لتحققنا صحة هذه المفارقة، ولعرفنا أن تقدمنا الحثيث في العلوم يقربنا حقيقة من الاعتراف بجهالتنا، والإقرار بأن مثل ما نعلمه من الكون في جانب ما نجهله منه كمثل قطرة واحدة من محيط خضم عميق؛ ذلك أن كل باب جديد يفتحه العلم من دلائل عظمة الكون وامتداده ينفتح معه أفق أوسع للسؤال عما يتصل بهذا الميدان الجديد من المشاكل الكثيرة الغامضة.

ولنأخذ مثلا مجموعتنا الشمسية، وما فيها من الكواكب السيارة، التي لا يرى منها بالعين المجردة إلا عدد يسير، فقد اكتشف فيها من الأقمار والتوابع على عهد لابلاس

La place

ما تبلغ به اثنين وأربعين كوكبا، ثم أثبتت الأرصاد الأخيرة من أجزاء هذه المجموعة ما يجاوز الألف، ثم قامت الدلائل القوية على أن كل مجموعتنا هذه ما هي إلا واحدة من ملايين المجموعات التي لها أجزاؤها، وتوابعها، والتي تختلف أعمارها، ويتفاوت جوها، ونظام حركاتها، وتكوين سطحها وطبقاتها، وأسلوب الحياة فيها، وكل ذلك لا نعرف عنه شيئا على وجه الوضوح واليقين، ولا أمل في الوصول إليه الآن إلا على ضرب من القياس والتخمين، فضلا عما وراء ذلك من فضاء أو ملاء، حتى إننا لو عرفنا كيف تتكاثف بعض الغازات السطحية السحابية العليا فتتولد منها الشموس، لبقي علينا أن نعرف من أين تتولد تلك السحابيات نفسها.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٣١