Megasthenes (القرن الثالث قبل الميلاد).
إلى جانب هذه الدراسات الوصفية لمختلف الأديان المعروفة إذ ذاك، قامت دراسات نقدية فلسفية تهدف إلى تمحيص حقيقة الدين بوجه عام في ثنايا البحث عن حقائق الأشياء، وأحق الأسماء بالذكر في هذا الضرب من البحث اسم الفيلسوفين العظيمين: أفلاطون
Platon (آخر الخامس قبل الميلاد وأول الرابع قبل الميلاد) وتلميذه أرسطو
Aristote
6 (الرابع قبل الميلاد)، وكان من مذهبهما أن السبب الأول الأزلي بإطلاق المبدأ لكل حركة وتغيير ليس هو المادة، بل روح عاقل مدبر متصرف
7
في المواد، وأن العقائد والفلسفات كانت في بدايتها نقية نبيلة ثم تطورت تطورا تنازليا،
8
وأن الفضيلة وسط بين طرفي الإفراط والتفريط.
9
وإلى هذين الفيلسوفين - ومن قبل ذلك إلى معلمها سقراط
Socrate (أواخر الخامس قبل الميلاد) - يرجع الفضل في تأسيس الفلسفة التحقيقية الإيجابية - التي تعترف بوجود حقيقة ثابتة للأشياء وبإمكان العلم بها - وفي تفنيد مذاهب الجحود والعناد التي تنكر وجود أية حقيقة ثابتة، وتدعي استحالة العلم بها أو تعليمها - على فرض وجودها - تلك المذاهب التي كان يروجها السوفسطائية، وهم قوم أوتوا الجدل والمغالطة والتمويه، واتخذوا الفلسفة صناعة كلامية يؤيدون بها المتناقضين على السواء، ويهدمون بها كل العلوم حتى بداهات العقول، ملتمسين بهذا السحر البياني وهذه المهارة في قلب الأوضاع لنيل ما استطاعوا من جاه وثروة وسلطان.
ثم خلفت خلوف انتسبوا إلى أفلاطون ومدرسته
L’Academie ، التي امتد اسمها إلى القرن الأول قبل الميلاد، ولكنهم لم يكونوا جديرين بهذه التسمية؛ إذ بعدوا عن مذهب إمامهم، وكانوا إلى الشك أقرب
10
منهم إلى اليقين بوجود حقائق الأشياء.
وسرعان ما مهدوا بهذا الفتور لظهور مذهب التشكيك الصريح، المعروف باسم اللاأدرية
Sceptcisme ، وهو المذهب الذي أعلنه بيرون
Pyrrhon
في عصر الإسكندر المقدوني، وكان بيرون في أول أمره سوفسطائيا، ثم سئم الجدل والنقاش، وأخذته الحيرة في الاختيار بين الفلسفة الإيجابية التي تقرر وجود حقيقة ثابتة قطعا، والفلسفة السلبية التي تنكر جزما هذه الحقيقة، فلما تعارضت عليه الأدلة لم يجد منها مخرجا إلا بالتوقف
11
عن الحكم.
فإذا ما تركنا مذهبي الإنكار والتشكيك وعدنا لنتابع سير الفلسفة الإيجابية في اليونان؛ وجدنا أن الصفحة الناصعة فيها طويت بانقضاء عهد أرسطو وانقسام ملك الإسكندر، وأن الذي ظهر منها بعد ذلك كان في عامة الأمر مذاهب شاذة متطرفة في الناحيتين النظرية والعملية.
أما في الناحية العملية «مبادئ الأخلاق» فكان مذهب أبيقور
Epicure (من منتصف القرن الرابع إلى أوائل القرن الثالث قبل الميلاد) يمثل الطرف الأدنى؛ إذ كان يقرر أن شعور اللذة والألم - جثمانيا أو عقليا أو روحيا - هو المعيار الوحيد للخير والشر، والمقياس الفذ للفضيلة والرذيلة.
وكان مذهب زينون
Zenon
12 (القرن الثالث قبل الميلاد) مؤسس المدرسة الرواقية
Le Portibue
المشهورة باسم مدرسة أهل العزيمة والجلد
Les Stoiciens
يمثل الطرف الأقصى، وذلك بمكافحة العاطفة الإنسانية والوجدان الطبيعي، والبلوغ بهما من الجمود والتحجر إلى حد الجسارة على الانتحار، وعدم المبالاة بأكل لحم الآدمي.
وأما في الناحية النظرية «الإلهيات والطبيعيات» فإن هذه المدرسة الرواقية نفسها، وإن انتقلت من الفلسفة المادية الملحدة الخاصة إلى النظرية المقابلة لها في الطرف الآخر وهي الاعتراف بوجود روح يدبر العالم ويتعهده في أطواره، إلا أنها عادت تقرر أن هذه الروح ما هو إلا جزء من العالم يسري في مادته سريان الماء في العود، أو النار في الجمر، غير شاعر بنفسه، ولا مختار في تحريكه للمادة، بل هو بدوره خاضع لقانون طبيعي كقانون النمو النباتي، ثم انتهت إلى القول بأن العنصرين المادي والروحي في الكون ليس لأحدهما وجود مستقل في نفسه، بل يتألف منهما شيء واحد هو الوجود الحقيقي، يسمى فاعلا، منفعلا، خالقا ومخلوقا، إلها وكونا ...