هذه النظرية المصادمة للبداهة، المتناقضة في نفسها، وفي نتائجها العملية
13
هي التي تسمى عند الرواقيين «وحدة الوجود»، ولكنها على الرغم من هذه الوحدة الاسمية قد سايرت مذاهب الوثنية وتعدد الآلهة؛ إذ جعلت في كل عنصر من العناصر ساريا هو إلهه الخاص به، فإله الحياة يسمى زوس
Zeus ، وإله الأثير آتينيه
Athene ، وإله الهواء هيرا
Hera ... وهلم جرا. (4) العصر الروماني
في القرن الثاني قبل الميلاد أخضع الرومان الدولة اليونانية سياسيا، فأصبحت ولاية تابعة لهم، بعد أن كانوا هم تبعا لها.
وإن تعجب لشيء فاعجب كيف أن هذا الاختلاط بين الأمتين قرونا متوالية، من قبل ومن بعد، لم يصنع منهما أمة واحدة في اللغة والدين والفن والتشريع وسائر مقومات الحياة الجماعية، كما صنع الفتح الإسلامي في الأقطار التي دخلها؟ ... لا، بل ما لنا نطمع في هذه الوحدة المثالية! ألم يكن من المتوقع - على الأقل - أن تفيد الأوساط العلمية والأدبية في روما من هذا التراث العلمي والأدبي المكنوز في العاصمة الإغريقية؟ غير أن شيئا من ذلك لم يكن، وكان كل ما حمله الأدباء الرومانيون من أثينا بعد هذا الفتح هو بعض الآراء الرائجة إذ ذاك في جماهير الشعب، فاقتبسوها اقتباسا سطحيا من غير تعمق ولا تمحيص، كما يحاكي الناس بعضهم بعضا فترة من الزمان في الأزياء الجديدة وألوان الطعام والشراب ...
آية ذلك أن المذهب السائد في أثينا في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد كان هو المذهب الرواقي، الذي فرغنا من الحديث عنه توا، وأن هذا المذهب وحده هو الذي نقل منها إلى روما، بل إنه لم ينقل بشطريه كليهما، وإنما كان الذي انتقل منهما هو أخفهما حملا على أقلام الكاتبين، وأدناهما إرضاء لكبرياء الفاتحين، أعني: ذلك القسم العملي الذي كان يتسم بطابع الزهو والغرور، في دعوته إلى تبديل الطبيعة البشرية، ومحو معاني اللذة والألم من بين عناصرها، أما الشطر النظري فلا ترى له أثرا في مقالات المؤلفين اللاتين أمثال سينيك
Seneque
وإبيكتيت
Epiclete (القرن الأول بعد الميلاد)، ومهما يكن من شيء، فإن هذا المذهب الرواقي لم يطل أجله، وكان آخر ممثليه في روما هو مارك أوريل
Marc Aulele (القرن الثاني الميلادي ).
وكما كان الفتح الروماني لبلاد الإغريق سببا في اجتلاب بعض آرائهم الشائعة في العصر، كان هذا الفتح للبلاد الآسيوية والإفريقية سببا في نقل بعض مذاهبهما الدينية إلى روما، فاشتهرت فيها أسماء المعبودات: ميترا
Mithra ، وبعل
Baal ، وإيزيس
Isis
وغيرهن.
وكان وصف هذه الديانات الواغلة، مضافة إلى الديانات المحلية، مجالا لأقلام الكاتبين من الرومان في القرن الأول قبل الميلاد، فكتب سيسيرون
Ciceron
عن الآراء الفلسفية في طبيعة الألوهية، وكتب فارون
Varron
عن الشعائر والعبادات الرومانية، لا بأسلوب النقد والموازنة والترجيح، بل بأسلوب التأويل والتوفيق - أو التلفيق - بين الآراء المختلفة. أسلوب ينم عن التردد والحيرة وعدم العناية بالبحث الجدي أكثر مما يعبر عن روح التسامح الديني الذي ينسب إلى ذلك العهد، فالتعبير بالتسامح هنا تعبير غير محرر، واستنباط غير موفق من عادة اعتادها بعضهم إذ ذاك، وهي أنهم كانوا لا يلتزمون شعائر دين معين، بل يشتركون في عبادات متنوعة من ديانات شتى، باعتبارها كلها رموزا لحقيقة واحدة، فهذا المسلك لا يدل على احترام كل متدين لديانة غيره - وهو معنى التسامح والإغضاء - بل يدل على الانحلال وعدم الركون إلى دين ما. (5) العصر المسيحي
وفي منتصف القرن الأول بعد الميلاد، دخلت الدعوة المسيحية إلى أوربا في صورة دين سماوي جديد يأبى أن ينتظم في سلك مع الأديان الوثنية السابقة، ويحاول أن يظهر عليها ويحل محلها.
وكان ما كان من احتكاك وصراع، وتفاعل وامتزاج بينه وبين تلك الديانات المحلية، ثم بينه وبين المذاهب المستحدثة في عهده مثل الديانة المانوية التي ظهرت في القرن الثالث بعد الميلاد، والفلسفة الأفلاطونية الحديثة (القرن الثالث أيضا).