تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يشذ عن هذا الطابع إلا عصور قليلة كانت تنزع إلى الانتصار لبعض العقائد، والمقاومة لبعضها، ومن أمثلة ذلك ما صنعته مدرسة «عين شمس»، حين حاولت إبطال كل عبادة إلا عبادة إله الشمس، وما صنعه الملك «أمنحوتب الرابع» الملقب بأخناتون، حين ثار على كل المظاهر الوثنية، فمحا الصور وأزال التماثيل من المعابد، وأمر بعبادة إله واحد ذي مظهرين: «الشمس» في السماء و«الملك» على وجه الأرض.

غير أن هذه الثورات لم تدم آثارها طويلا، وكانت السنة الغالبة لدى الملوك والكهان، هي تأليف قلوب أتباعهم ورعاياهم، بتمكينهم من ملء المعابد بتلك الأسماء والرموز المختلفة.

1 (3) العصر الإغريقي

لم يبق الآن مجال للشك في أن القدامى من علماء اليونان وفلاسفتهم تخرجوا في مدرسة الحضارات الشرقية،

2

والحضارة المصرية بوجه أخص.

وليس معنى هذا أن الإغريق كانوا بمثابة أوعية مصمتة نقلت علوم الشرق ومعارفه نقلا حرفيا ، فذلك ما لا يستسيغه عقل، ولم يقم عليه دليل من صحيح النقل، ولكن المعنى أنهم لم ينشئوا هذه العلوم إنشاء على غير مثال سابق - كما ظنه بعضهم - بل وجدوا مادتها في الشرق فاقتبسوا منها وأفادوا كثيرا.

وإن قدماء اليونان أنفسهم يذهبون إلى الاعتراف بهذه التلمذة إلى القول بأن عظماءهم أمثال فيثاغورس وأفلاطون مدينون بأرقى نظرياتهم إلى المدرسة المصرية. والناقدون المحدثون وإن استبعدوا حصول نقل حرفي لهذه النظريات لم يسعهم إلا التسليم بتبعية هؤلاء الفلاسفة، في الدين والأخلاق، للنظريات المصرية.

3

أقدم الآثار الأدبية التي حفظها لنا التاريخ عن العصر الإغريقي ينتمي إلى ما حول القرن العاشر قبل الميلاد المسيحي، وأشهر هذه الآثار الديوانان المنسوبان إلى هوميروس

Homere :

4

أعني الإلياذة

Plliabe ، والأوديسا

Podyssee ،

5

وهما سلسلتان من القصص الشعري عند قدماء اليونان، نرى فيهما صورة مغامراتهم في الأسفار، وبلائهم في الحروب وتنافسهم في الغنائم والأسلاب، وما كان ينزل بهم من عجيب النوازل العامة والخاصة. غير أنه لا يكاد يخلو شأن من هذه الشئون - دقيقها وجليلها - من ذكر أسماء آلهتهم وآلهة خصومهم، ووصف القربات والضحايا والتوسلات التي كان يتوجه بها كل مظلوم أو مكروب إلى إلهه، وذكر ما يجري - في زعمهم - بين آلهة السماء حين تتشاور فيما بينها، وحين تتنازع وتنقسم آراؤها في الانتصار لهذه الفريق أو ذاك ... إلى غير ذلك.

وهكذا تتميز هذه المرحلة: (1)

بضيق رقعة البلاد والأمم التي يتناولها الوصف. (2)

وبأن شئون الأديان فيها إنما تساق عرضا في ثنايا الشئون الحيوية الأخرى. (3)

وبما تتسم به رواياتها من الطابع الأسطوري والتمثيلي الذي يستمده الكاتب من خياله وأسلوب تفكيره في تعليل الحوادث والنوازل.

يلي هذه دور الرحلات للمؤرخين الوصافين أمثال هيرودت

Herodote (المتوفى في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد)، وهذا الدور وإن كان كسابقه لم يفرد فيه للأديان تأليف مستقل، حيث كان الحديث عنها يمزج بالأوصاف الإقليمية وغيرها، إلا أن الاعتماد فيه كان على المشاهدات لا على التخيلات، كما أن نطاق البحث فيه كان أوسع؛ فقد شمل ديانات آسيا الصغرى ومصر، وبابل، وفارس وما يتاخمها، وامتاز أيضا بطابع المقارنة بين معبودات الإغريق، ومعبودات غيرهم مقارنة تميل إلى تفضيل وجهة النظر المصرية، وإلى نقد الأخطاء التي كان يقع فيها عامتهم بسبب الاشتراك اللفظي، حين يكون الاسم الواحد (مثل هيرقيل

Hercule ) علما على إله أزلي، وعلى بطل من أبطال البشر.

ولقد كانت فتوح الإسكندر المقدوني (المتوفى في الربع الأخير من القرن الرابع ق.م) سببا في انفساح مجال المعرفة لأديان أخرى؛ حيث وصلت جيوش الإسكندر إلى الهند وكتب عنها ميجاستين

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٢