تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

الصورة الثانية:

أن تكون هناك مسألة أو مسائل معينة تنطق فيها العلوم والأديان بحكمين متناقضين، وإنما يحدث ذلك حينما تتناول الأديان إلى جانب عنصرها الروحي شيئا من موضوعات العلوم وحقائق المشاهدات، وتذهب في ذلك مذهبا معينا، تفرضه على المتدينين بها فرضا. فهذا الجانب، وإن كان عرضيا في الأديان، وكان سبيله في الغالب سبيل الوسائل لا المقاصد، إلا أنه يعد معيارا لمقدار ما في كل دين من صحة أو فساد، على قدر اتفاقه مع مقررات العلم الصحيح وقضايا العقل السليم، أو اختلافه معها؛ فإنه إذا كان الدين حقا والعلم حقا وجب أن يتصادقا ويتناصرا، أما إذا تكاذبا وتخاذلا فإن أحدهما لا محالة يكون باطلا وضلالا.

المبحث الثالث

| في نزعة الدين، ومدى أصالتها في الفطرة

الفصل الأول

| مدى أقدمية الديانات

أسئلة تتشوق النفس إلى معرفة الجواب عنها:

متى ظهرت فكرة التدين على وجه الأرض؟

ما مصيرها أمام التطورات الفكرية في العلوم؟

ما وظيفتها النفسية؟

ما مهمتها الاجتماعية؟ (1) نظرية أدباء القرن الثامن عشر والسوفسطائية

إلى أي حد تعد ظاهرة التدين ظاهرة عريقة في القدم؟ هل سبقت الحضارات المادية؟ أم تأخرت عنها في الوجود؟ أم اقترنت بها؟

ذهب بعض كتاب القرن الثامن عشر، الذين مهدوا للثورة الفرنسية، إلى أن الديانات والقوانين ما هي إلا منظمات مستحدثة، وأعراض طارئة على البشرية حتى قال «فولتير»: «إن الإنسانية لا بد أن تكون قد عاشت قرونا متطاولة في حياة مادية خالصة، قوامها الحرث، والنحت، والبناء، والحدادة، والنجارة قبل أن تفكر في مسائل الدينيات والروحانيات.»

1

بل قال: «إن فكرة التأليه إنما اخترعها دهاة ماكرون، من الكهنة والقساوسة الذين لقوا من يصدقهم من الحمقى والسخفاء.»

2

وكذلك كان نظر «جان جاك روسو» إلى فكرة القانون، حيث ظن أنها ليس لها إلا قيمة وضعية تحكمية، وفسر ذلك بقوله: «إن الأفراد الذين سبقوا إلى وضع أيديهم على بعض مساحات من الأرض، حدا بهم جشعهم، وحرصهم على المحافظة على ملكيتهم، إلى أن يأتمروا فيما بينهم على وضع تلك النظم والقوانين، ليخدعوا بها الجمهور، ويضللوا بها الفقراء.»

3

هذه النظرة الساخرة إلى الأديان والقوانين ليست مبتكرة، وإنما هي ترديد لصدى مجون قديم، كان يتفكه به أهل السفسطة من اليونان، وكانوا يروجونه فيما روجوه من المغالطات والتشكيكات، فقديما زعم هؤلاء السوفسطائية «أن الإنسان كان في أول نشأته يعيش بغير رادع عن قانون ولا وازع من خلق، وأنه كان لا يخضع إلا إلى القوة الباطشة ... ثم كان أن وضعت القوانين، فاختفت المظاهر العلنية من هذه الفوضى البدائية، ولكن الجرائم السرية ما برحت سائدة منتشرة، فهنالك فكر بعض العباقرة في إقناع الجماهير بأن في السماء قوة أزلية أبدية ترى كل شيء، وتسمع كل شيء، وتهيمن بحكمتها على كل شيء ...»

4

وهكذا لم تكن القوانين والديانات في تصويرهم إلا ضروبا من السياسة الماهرة التي تهدف إلى علاج أمراض المجتمع بكل حيلة ووسيلة.

ولقد أعان على بعث هذه الآراء وترويجها في أوروبا الحديثة سببان: أحدهما الانحلال الخلقي عند نفر من رجال الكنيسة، والثاني ظلم القوانين الوضعية، وسوء توزيع الثروة العامة، فكان من السهل أن يظن الناس أن الدين والقانون كانا كذلك في كل زمان ومكان. (1-1) انهيار هذه النظرية في العصر نفسه

على أنه لم ينقض القرن الثامن عشر نفسه حتى ظهر خطأ هذه المزاعم؛ حيث كثرت الرحلات إلى خارج أوروبا، واكتشفت العوائد والعقائد والأساطير المختلفة، وتبين من مقارنتها أن فكرة التدين فكرة مشاعة لم تخل عنها أمة من الأمم في القديم والحديث، رغم تفاوتهم في مدارج الرقي ودركات الهمجية، وهكذا ظهر أنها أقدم في المجتمعات من كل حضارة مادية، وأنها لم تقم على خداع الرؤساء وتضليل الدهاة، ولم ترتكز على أسباب طارئة أو ظروف خاصة، بل كانت تعبر عن نزعة أصيلة مشتركة بين الناس.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٢٨