تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن بعدت صلة بعض العلوم بالدين، وعجزت عن أن تقدم له مددا إيجابيا ملموسا، فإنها بما تبدد من ظلمات الأوهام، وبما تبعث من النور في جوانب النفس، تقوم بوظيفة تطهير وتنقية، لا بد منها لتهيئة جو عقلي صالح لاعتناق العقائد السليمة، حتى إذا ركن القلب إلى شيء كان ركونه إليه على بصيرة وبينة، لا مدفوعا بحمية الجهل، ولا منقادا بسذاجة المحاكاة

هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون .

1 (5) لا يمكن عقلا أن يوجد تعارض بين الأديان والعلوم نفسها

ومهما يكن من أمر، فالمعقول أنه، إن لم يكن بين العلم والدين تعاون من قريب ولا بعيد، كان بينهما - على الأقل - من التفاهم وحسن التجاوز ما بين فروع الصناعات المختلفة؛ إذ ليس يعقل أن يكون هناك تعارض وتناقض بين أمرين لا اشتراك بينهما في موضوع واحد. (6) تفسير المصادمات التي وقعت بين حملة الأديان وحملة العلوم

وهنا يحق لنا السؤال عن تفسير تلك المصادمات العنيفة، التي ظهرت في التاريخ غير مرة، بين العلوم والأديان، لا نعني ذلك الصراع الصوري الذي يستغل فيه اسم العلم أو الدين أحيانا؛ ليكون ستارا للمقاصد الخفية، والمطامح المختلفة، من الثروة، والنفوذ، والجاه، وسائر المصالح العاجلة، كما لا نعني: الصراع الحقيقي الدائم بين النزعات الروحية السامية التي تدفع إلى التضحية وضبط النفس والاعتدال، وبين النزعات المادية المضادة التي تهدف إلى الفوضى والإباحة والاستئثار، وإنما نطلب تفسير تلك المعارضة الفكرية التي تقع بحسن نية بين المعسكرين العلمي والديني، فتقف كل واحدة منهما موقف التكذيب والإنكار لما عند الآخر.

والجواب أن هذه المعارضة تحدث - فيما نعلم - على إحدى صورتين:

الصورة الأولى:

أن يقف أحد الطرفين موقف المعارضة لما عند الآخر جملة، لا بناء على حجة تدحضه، أو شبهة تضعفه، بل عفوا واعتباطا، أو لمجرد جهله به، ظنا منه أن كل ما لم يدخل في دائرة علمه في الحال فليست له حقيقة، وهذا لعمري من قصر النظر، بل من الجهل والغرور؛ فإن التكذيب لما لم يحط الإنسان بعلمه، ولم يأته تأويله خطأ لا يرتكبه الراسخون في العلم والدين، وإنما يقع فيه المغرورون من العامة أو «أنصاف المتعلمين»، وهؤلاء أشد خطرا من الجهلاء؛ لأن علمهم في الحقيقة جهل مركب، وإنما الإنصاف أن يكون كل امرئ عارفا بقدر نفسه، واقفا عند حده، بناء غير هدام، والسبيل القاصد في ذلك أن يثبت كل فريق ما وصل إليه، ولا ينكر ما لم يصل إليه.

وقد رأينا العلماء المتخصصين في فرع من العلوم الطبيعية أو العقلية يعتمدون النتائج التي وصل إليها المتخصصون في فرع آخر منها: كل في نطاق تخصصه، ولا ينتظرون أن يعيدوا كلهم ما جربه أو برهنه بعضهم، وهذا هو الوضع السليم الذي تتقدم به المعارف الإنسانية؛ إذ لو وجب أن يعيد كل عالم بحث كل مسألة بنفسه لما تقدمت العلوم خطوة واحدة، فكذلك ينبغي أن يكون الشأن بين حملة العلوم وحملة الأديان.

ألم يجمع العلماء الآن على إمكان تحطيم النواة الذرية، واستخدام طاقتها الجبارة في صنع الأعاجيب، مع أنه لم يباشر هذه التجربة منهم إلا نفر قليل؟ فماذا يمنعنا أن نؤمن بالتجارب الروحية المتكررة التي شهدها الأنبياء وأرباب البصائر النيرة في مختلف العصور، وإن لم يشهد الناس منها إلا نتائجها الخارقة؟

إنه إذا كان من واجب الأديان أن تهادن العلوم ولا تنابذها، وكان من الخير لها أن تستثمر كافة المعارف البشرية وتتسلح بنتائجها؛ فإن من الخير للعلوم كذلك أن تدع الأديان تكمل ما فيها من نقص، وتملأ ما تتركه في النفوس من فراغ، بما يملؤه من الحقائق الروحية، فإن لم تفعل فلا أقل من أن تلتزم شقة الحياد فلا تعادي الأديان ولا تنكرها جملة، فإن إنكار الدين جملة إنكار ضمني لأمور واقعية تحتويها الأديان كلها ولا يحتويها علم من العلوم، ألا وهي عناصر الإيمان بالحقيقة العليا وتقديسها وعبادتها «معان هي من مادة الحياة التي قد يفسرها العلم، ولكنه لا يخلقها، وقد ينقب عن أطوارها ويتفهم نشأتها، ولكنه لا يستطيع أن يتجاهل وجودها، أو يدعي لنفسه أنه يحل محلها.»

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٢٧