تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يخفى من جهة أخرى، أن معنى اللزوم هذا هو المحور الذي تدور عليه كلمة الدين بفتح الدال، والفرق بين الدين بالفتح والدين بالكسر

3

هو أن أحدهما يتضمن - في الأصل - إلزاما ماليا، والآخر يقتضي إلزاما أدبيا، ونحن نعرف من سنن اللغة العربية في تصاريفها أنها حين تريد التفرقة بين الحسيات والمعنويات من جنس واحد قد تكتفي بتغيير يسير في شكل الكلمة مع إبقاء مادتها كما هي مثل: «العوج، والعوج» و«الخلق، والخلق»، و«الرؤية، والرؤيا» و«الكبر والكبر».

وهكذا يظهر لنا جليا أن هذه المادة بكل معانيها أصيلة في اللغة العربية، وأن ما ظنه بعض المستشرقين

4

من أنها دخيلة، معربة عن العبرية أو الفارسية في كل استعمالاتها أو في أكثرها بعيد كل البعد، ولعلها نزعة شعوبية تريد تجريد العرب من كل فضيلة، حتى فضيلة البيان التي هي أعز مفاخرهم.

ونعود إلى موضوعنا فنقول: إن الذي يعنينا من كل هذه الاستعمالات هو الاستعمالان الأخيران، وعلى الأخص الاستعمال الثالث، فكلمة الدين التي تستعمل في تاريخ الأديان لها معنيان لا غير، أحدهما: هذه الحالة النفسية

etat subjectif

التي نسميها التدين

religiosite . والآخر: تلك الحقيقة الخارجية التي يمكن الرجوع إليها في العادات الخارجية

fait odjectif

أو الآثار الخالدة، أو الروايات المأثورة، ومعناها جملة المبادئ التي تدين بها أمة من الأمم، اعتقادا أو

doctrine religiouse

عملا، وهذا المعنى أكثر وأغلب.

بيد أن هذه التحليلات الاشتقاقية كلها إنما تكشف لنا عن جذر المعنى وأصله في اللغة، ولا تصور لنا حقيقته واضحة وافية، كما هي في عرف الناس واصطلاحهم، بل لا تزال المسافة منفرجة بين المعنى اللغوي والمعنى العرفي؛ ذلك أنه ليس كل خضوع وانقياد يسمى في العرف تدينا، فخضوع المغلوب للغالب، وطاعة الولد لوالده، وتعظيم المرءوس لرئيسه؛ كل أولئك قد يكون من معدن آخر غير معدن الدين، كما أنه ليس كل رأي ومذهب، ولا كل سيرة وخلق يسمى دينا.

فما هي الخصائص والعناصر الجوهرية التي تميز الفكرة الدينية أو السلوك أو الشعور الديني بوجه عام عن سواها؟

لا ريب أن تحديد هذه الخصائص تحديدا حقيقيا لا يتم إلا في نهاية العلم، بعد استعراض جميع النحل ومقارنتها، واستنباط القدر المشترك بينها، ولكنه إذا تعذر علينا الآن، ونحن في فاتحة البحث، أن نعرض الديانات أنفسها لنستخرج منها الحد الأدنى المشترك بينها، ففي وسعنا أن نعرض طائفة من التعريفات التي سبقنا بها العلماء، سواء منها ما وضعه الإسلاميون لكلمة الدين، وما وضعه الغربيون للكلمة التي تقابلها، وهي كلمة

Religion ، وأن نقفي على هذا العرض بشيء من التحليل والنقد، لنعرف إلى أي حد تنطبق هذه التعريفات على الديانات المعروفة.

أما الإسلاميون فقد اشتهر عندهم تعريف الدين بأنه «وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم إلى الصلاح في الحال، والفلاح في المآل»، ويمكن تلخيصه بأن نقول: «وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات، وإلى الخير في السلوك والمعاملات.»

وأما الغربيون فلهم في ذلك تعبيرات شتى،

5

وهذه نماذج منها:

يقول سيسرون، في كتابه «عن القوانين»: «الدين هو الرباط الذي يصل الإنسان بالله.»

6

ويقول كانت، في كتابه «الدين في حدود العقل»: «الدين هو الشعور بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية.»

7

ويقول شلاير ماخر، في «مقالات عن الديانة»: «قوام حقيقة الدين شعورنا بالحاجة والتبعية المطلقة.»

8

ويقول الأب شاتل، في كتاب «قانون الإنسانية»: «الدين هو مجموعة واجبات المخلوق نحو الخالق: واجبات الإنسان نحو الله، وواجباته نحو الجماعة، وواجباته نحو نفسه.»

9

ويقول روبرت سبنسر، في خاتمة كتاب «المبادئ الأولية»: «الإيمان بقوة لا يمكن تصور نهايتها الزمانية ولا المكانية، هو العنصر الرئيسي في الدين.»

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ١٠