تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دع ما وراء ذلك من سوء الترتيب، وكثرة الخلط والإعادة، وعدم رد كل طائفة من المعاني المتشابهة إلى أصل واحد يجمعها، على أن هذه الناحية الأخيرة ربما كانت أهون وجوه النقص، وأقلها استعصاء على الإصلاح.

أقرب مثال لهذا الحشد والخلط والغثاء المتراكب تجده في المادة التي نحن بصددها، فالذي يرجع فيها إلى القاموس المحيط، أو إلى لسان العرب أو غيرهما؛ يضل في بيداء، ويخيل إليه أن هذه الكلمة الواحدة يصح أن تستعمل فيما شئت من المعاني المتباعدة، بل المتناقضة: فالدين هو الملك، وهو الخدمة، هو العز، وهو الذل، هو الإكراه، وهو الإحسان، وهو العادة، وهو العبادة، هو القهر والسلطان، وهو التذلل والخضوع، وهو الطاعة، وهو المعصية، هو الإسلام والتوحيد، وهو اسم لكل ما يعتقد، أو لكل ما يتعبد الله به ... إلخ. (2) محاولة رد أشتات المعاني إلى معنى واحد

نحن إذن بحاجة إلى التشمير عن ساعد الجد؛ للوصول إلى لب الحقيقة من وراء هذه القشرة، ولالتماس شيء من الوحدة في ثنايا هذه الكثرة.

والواقع أننا إذا نظرنا في اشتقاق هذه الكلمة ووجوه تصريفها نرى من وراء هذا الاختلاف الظاهر تقاربا شديدا، بل صلة تامة في جوهر المعنى؛ إذ نجد أن هذه المعاني الكثيرة تعود في نهاية الأمر إلى ثلاثة معان تكاد تكون متلازمة بل نجد أن التفاوت اليسير بين هذه المعاني الثلاثة مرده في الحقيقة إلى أن الكلمة التي يراد شرحها ليست كلمة واحدة، بل ثلاث كلمات، أو - بعبارة أدق - أنها تتضمن ثلاثة أفعال بالتناوب.

بيانه أن كلمة «الدين» تؤخذ تارة من فعل متعد بنفسه: «دانه يدينه»، وتارة من فعل متعد باللام: «دان له» وتارة من فعل متعد بالباء: «دان به» وباختلاف الاشتقاق تختلف الصورة المعنوية التي تعطيها الصيغة.

الفصل الثاني

| المعنى العرفي

(1) نماذج من التعريفات (1)

فإذا قلنا: «دانه دينا» عنينا بذلك أنه ملكه، وحكمه وساسه، ودبره، وقهره، وحاسبه، وقضى في شأنه، وجازاه وكافأه، فالدين في هذا الاستعمال يدور على معنى الملك والتصرف بما هو من شأن الملوك من السياسة والتدبير، والحكم والقهر، والمحاسبة والمجازاة، ومن ذلك

مالك يوم الدين

1

أي: يوم المحاسبة والجزاء، وفي الحديث: «الكيس من دان نفسه»

2

أي: حكمها وضبطها، و«الديان» الحكم القاضي. (2)

وإذا قلنا: «دان له» أردنا أنه أطاعه، وخضع له، فالدين هنا هو الخضوع والطاعة، والعبادة والورع، وكلمة «الدين لله» يصح أن منها كلا المعنيين: الحكم لله، أو الخضوع لله.

وواضح أن هذا المعنى الثاني ملازم للأول ومطاوع له «دانه فدان له»؛ أي: قهره على الطاعة فخضع وأطاع. (3)

وإذا قلنا: «دان بالشيء» كان معناه أنه اتخذه دينا ومذهبا؛ أي: اعتقده أو اعتاده أو تخلق به، فالدين على هذا هو المذهب والطريقة التي يسير عليها المرء نظريا أو عمليا، فالمذهب العملي لكل امرئ هو عادته وسيرته، كما يقال: «هذا ديني وديدني» والمذهب النظري عنده هو عقيدته ورأيه الذي يعتنقه، ومن ذلك قولهم: «دينت الرجل» أي: وكلته إلى دينه ولم أعترض عليه فيما يراه سائغا في اعتقاده.

ولا يخفى أن هذا الاستعمال الثالث تابع أيضا للاستعمالين قبله؛ لأن العادة أو العقيدة التي يدان بها لها من السلطان على صاحبها ما يجعله ينقاد لها، ويلتزم باتباعها.

وجملة القول في هذه المعاني اللغوية: أن كلمة الدين عند العرب تشير إلى علاقة بين طرفين يعظم أحدهما الآخر ويخضع له، فإذا وصف بها الطرف الأول كانت خضوعا وانقيادا، وإذا وصف بها الطرف الثاني كانت أمرا وسلطانا، وحكما وإلزاما. وإذا نظر بها إلى الرباط الجامع بين الطرفين كانت هي الدستور المنظم لتلك العلاقة أو المظهر الذي يعبر عنها.

ونستطيع الآن أن نقول: إن المادة كلها تدور على معنى لزوم الانقياد، فإن الاستعمال الأول الدين هو إلزام الانقياد، وفي الاستعمال الثاني هو التزام الانقياد، وفي الاستعمال الثالث هو المبدأ الذي يلتزم الانقياد له.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٩