10
ويقول تايلور، في كتاب «المدنيات البدائية»: «الدين هو الإيمان بكائنات روحية.»
11
ويقول ماكس ميلر، في كتاب «نشأة الدين ونموه»: «الدين هو محاولة تصور ما لا يمكن تصوره، والتعبير عما لا يمكن التعبير عنه، هو المتطلع إلى اللانهائي، هو حب الله.»
12
ويقول إميل برنوف، في «علم الديانات»: «الدين هو العبادة، والعبادة عمل مزدوج: فهي عمل عقلي به يعترف الإنسان بقوة سامية، وعمل قلبي أو انعطاف محبة، يتوجه به إلى رحمة تلك القوة.»
13
ويقول ريفيل، في «مقدمة تاريخ الأديان»: «الدين هو توجيه الإنسان سلوكه، وفقا لشعوره بصلة بين روحه وبين روح خفية، يعترف لها بالسلطان عليه وعلى سائر العالم، ويطيب له أن يشعر باتصاله بها.»
14
ويقول جويوه في كتاب «لا دينية المستقبل»: «الديانة هي تصور المجموعة العالمية بصورة الجماعة الإنسانية، والشعور الديني هو الشعور بتبعيتنا لمشيئات أخرى يركزها الإنسان البدائي في الكون.»
15
ويقول ميشيل مابير، في كتاب «تعاليم خلقية ودينية»: «الدين هو جملة العقائد والوصايا التي يجب أن توجهنا في سلوكنا مع الله، ومع الناس، وفي حق أنفسنا.»
16
ويقول سلفان بيريسيه، في كتاب «العلم والديانات»: «الدين هو الجانب المثالي في الحياة الإنسانية.»
17
ويقول سالومون رينا، في «التاريخ العام للديانات»: «الدين هو مجموعة التورعات التي تقف حاجزا أمام الحرية المطلقة لتصرفاتنا.»
18
ويقول إيميل دوركايم، في «الصورة الأولية للحياة الدينية»: «الدين مجموعة متساندة من الاعتقادات والأعمال المتعلقة بالأشياء المقدسة - أي: المعزولة المحرمة - اعتقادات وأعمال تضم أتباعها في وحدة معنوية تسمى الملة.»
19 (2) تصنيف التعاريف ونقدها
من هذا العرض يتبين أن حقيقة الدين لا تكفي في تحديدها فكرة الاعتقاد بإطلاق أو فكرة الخضوع من حيث هي، وأنه لا بد من إضافة قيد أو قيود تحددها بإبراز عناصرها الجوهرية، وتلك هي المحاولة التي بذلها الباحثون حين قدموا لنا مختلف التعريفات التي أوردنا الآن جانبا منها.
غير أنه ليس من العسير على من يستعرض هذه التعاريف - الإسلامي منها وغير الإسلامي - أن يلاحظ أن الجمهرة الغالبة منها قد جاوزت الحد في التحديد، حتى حصرت مسمى الدين في نطاق الأديان الصحيحة، المستندة إلى الوحي السماوي، وهي التي تتخذ معبودا واحدا، هو الخالق المهيمن على كل شيء، فالدولة الطبيعية المستندة إلى محض العقل، والديانات الخرافية التي هي وليدة الخيالات والأوهام، وكل ديانة تقوم هي أو جانب منها على عبادة التماثيل، أو عبادة الحيوان، أو النبات، أو الكواكب، أو الجن، أو الملائكة ... إلخ؛ تخرج بمقتضى هذه التعاريف عن أن تكون دينا، مع أن القرآن قد سماها كذلك حيث يقول:
لكم دينكم ولي دين ،
20
ويقول:
ومن يبتغ غير الإسلام دينا .
21
الفصل الثالث
| تحليل الفكرة الدينية في نظر المتدين من الوجهتين الموضوعية والنفسية
(1) مقدمة
ولقد رأينا كيف وصل الأمر ببعض الباحثين في تحديد موضوع الدين إلى تصويره بأرقى صورة عرفتها الفلسفة، وأبعد صورة عن الخطور ببال العامة من المتدينين، أعني تلك الفكرة التي عبر عنها روبرت سبنسر بقوله: «إن العنصر الأصيل في الدين هو الإيمان بقوة لا يمكن تصور نهايتها الزمانية والمكانية.» فهذه اللانهائية - إن صح أنها عقيدة كبار الفلاسفة والعلماء - لا تنطبق بحال على عقيدة المشبهين ولا المجسمين ولا القائلين بأن ربهم في السماء، ونحن هنا لا نطلب تحديد الدين الصحيح فحسب، بل الدين من حيث هو، في مختلف صوره ومظاهره.
ثم رأينا كيف أن «ماكس ميلر» كان أشد تضييقا لهذه الدائرة، حين قال: «إن الدين هو محاولة تصور ما لا يمكن تصوره.» فهذه العبارة لا تنطبق في حرفيتها إلا على نوع من الأديان يفصل بين العقيدة والعقل فصلا تاما، ويفرض على معتنقيه أن يؤمنوا بما لا تقبله عقولهم، ولا تتصوره