============================================================ المبتدى بكرمه وامتنانه، أن تقوم عني له بما قصر به شكري، باديأ ذلك بالمحمدة والجود كما هو [أهله](1)، بل ما لا أحصيه من نعمه.
فليت شعري أبا إسحاق (2): كيف معرفتك بما جدد لك (3) به من نعمه وآلاته، وزوى عنك من عطب نؤط بلائه؟ وكيف عملك بعد معرفتك فيما الزمك به المنعم عليك، والمنان بفضله وإحسانه فيما أسدى إليك ؟ ألك ليل ترقده؟ أو نهار تمهده ؟ أم مستراخ عن الجد تجده ؟ أم طعام وشراب تعهذه ؟
أم سبب(4) من الأسباب دون ذلك تقصده ؟ على أن ذلك غير نائب عنك في وجوب حق النعمة عليك فيما جدد به من عتيد البر لديك، لكن الغاية الممكنة من فعلك، والاجتهاد في بلوغ الأمل من فضله، فكن له بأفضل ما هيا لك عاملا، وعليه به في سائر أوقاتك مقبلا، ثم كن له بعد ذلك خاضعا، مذعنا، ضارعا، فإن ذلك يسير من كثير ما وجب له عليك.
وبعد، فاحذز ميل التأويل عن الحقائق، وخذ لنفسك بأحكم الوثائق، فإن التأويل كالصفا الزلال الذي لا تثبت عليه الأقدام، وإنما هلك من هلك من المسوبين للعلم، والمشار إليهم بالفضل، بالميل إلى خطأ التأويل، واستيلاء ذلك على عقولهم، وهم في ذلك على وجوه شتى، وإني أعيذك بالله وأستعينه لك، وأعيذك به من ذلك كله، وأساله أن يجعل عليك جنة من جئته، ورأفة من رأفته وإحسانه، وكيف أنت في ترك مواصلة من عرضك للتقصير، ودعاك إلى النقص والفتور؟ وكيف ينبغي أن تكون مباينئك له وهجرانك ؟ وكيف نفور سرك، ونبؤ قلبك، وعزوف ضميرك عنه؟ وحقيق عليك - على ما وهبه الله لك - وخصك به من العلم الجليل، والمنزل الشريف، أن تكون عن المقبلين على الدنيا معرضا، أو تكون لهم في سرك، وجهرك قاليا، وأن تكون لهم من بلائهم إلى الله شافعا، وكل ذلك بعض خصالك التي هي حة لك، وحري بك (1) ما بين حاصرتين مستدرك من الحلية.
(2) في الأصل: فكتب إليه ابو إسحاق، والمثبت من الحلية.
(3) في الأصل: بما حاولك . والمثبت من الحلية.
(4) في الأصل: سيف. والمثبت من الحلية.