فمن ذلك: ما قاله الحافظ العراقي: «وَأما تَقْبِيل الْأَمَاكِن الشَّرِيفَة على قصد التَّبَرُّك، وَكَذَلِكَ تَقْبِيل أَيدي الصَّالِحين وأرجلهم، فَهُوَ حسن مَحْمُود بِاعْتِبَار الْقَصْد وَالنِّيَّة»[19].
وليس في الكلام مستند نُجيب عليه؛ إذ لا حجة في قول أحد بعده صلى الله عليه وسلم، وصدَقَ الله إذ يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
ومع ذلك فهو مناقض لما جاءت به الأدلة الصحيحة.
كما جاء عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ قَالَ: انْطَلَقْتُ حَاجّاً، فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ!
قُلْتُ: مَا هَذَا المَسْجِدُ؟
قَالُوا: هَذِهِ الشَّجَرَةُ، حَيْثُ بَايَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ.
فَأَتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ فَأَخْبَرْتُهُ.
فَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنِي أَبِي: «أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ نَسِينَاهَا، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهَا. فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَعْلَمُوهَا، وَعَلِمْتُمُوهَا أَنْتُمْ؟! فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ!)[20].
قال ابنُ حَجَر: «قَالَ سَعِيدٌ هَذَا الْكَلَامَ مُنْكِراً. وَقَوْلُهُ: «فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ» هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ. وَفِي رِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ: «إِنَّ أَقَاوِيلَ النَّاسِ كَثِيرَة»[21].
بمعنى: أن شجرة الحُدَيْبِيَة لم يعظمها الصحابة الذين يعرفون قدرها، وبايعوا تحتها، وقد نسُوها تماماً.
وأما قول نافع: «بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ نَاساً يَأْتُونَ الشَّجَرَةَ الَّتِي بُويِعَ تَحْتَهَا، قَالَ: فَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ)[22].