تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في (شامله) ذكره الفاسي في (تاريخه) وقال: (ويدل لذلك رواية عائشة رضي الله عنها التي فيها: أن ستة أذرع من الحجر من البيت، وهي في الصحيحين).

وهو معارض برواية خمسة أذرع عند مسلم والنسائي وغيرهما، وقد تقرر في الأصول ترجيح الأخذ بأقل ما قيل، اللهم إلا أن يقال بترجيح رواية الستة الأذرع، بكونها رواية الأكثر.

ولا يخفاك ما في هذا القول من النظر وإن كان دليله ظاهراً، ولذا لم يجرِ عليه العمل فلا نعلم من السلف والأئمة من احتاط في احتساب مقدار ستة أذرع بين الكعبة والحِجر فطاف من ورائه، لما فيه من المشقة والتكلف ومخالفة الفعل النبوي في الطواف بمن وراء الحِجر.

وفي (مصنف عبد الرزاق) عن ابن عيينة قال: وأخبرني أبي أنه رأى هشامَ بن عبد الملك يطوف من وراء الحِجْر، فأراد أنْ يدخلَ في الحِجْرِ فيطُوفَ فيه، فجَذَبه سالمُ بن عبد الله حتى طاف من ورائه، وسيأتي تأويل رواية الستة الأذرع وبيان الوجه في ترك احتسابها.

ومن يقول بصحة الطواف مطلقاً كالحنفية يستحب الإعادة عليه خروجاً من الخلاف ما دام بمكة، لأن الروايات قد اضطربت في قدر الحِجر فقيل ستة أذرع وقيل خمسة وقيل قريب من تسعة، فيُحمل طوافه عليه السلام من وراء الحِجْر على أنه لإزالة مشقة الاحتراز عن تحرير الستة الأذرع ومشقة تسوّر جدار الحِجر خصوصاً للنساء، قاله الفاسي.

قال: (وفي تسورهن كشفٌ لهن وهن مأمورات بالصيانة، فرأى صلى الله عليه وسلم أن يطوف من وراء الحِجر لما في ذلك من الراحة لأمته ديناً ودنيا، ومثل هذا يقال في طواف الخلفاء وغيرهم من وراء الحِجر، وإذا تقرر أن طوافه صلى الله عليه وسلم من وراء الحِجر لهذا المعنى، فيكون الطواف هكذا مطلوباً ندباً متأكداً لا وجوباً، لعدم نهوض الدلالة على وجوبه هكذا في طوافه صلى الله عليه وسلم كما سبق بيانه، فإن خالف الإنسان وتسوّر جدارَ الحِجر، وطاف في الحِجر فيما ليس فيه من الكعبة خصوصاً على رواية سبعة أذرع أو نحوها أو ستة أذرع، ففي الجزم بفساد طوافه نظرٌ كثير لا ينهض عليه دليل).

وأيضاً فإن طوافه عليه الصلاة والسلام من وراء الحِجْر فعلٌ مجرد، وقد تقرر أنه لا يدل إلا على الاستحباب، والاستدلال بقوله (خذوا .. ) لا ينتهض للقطع بالوجوب، لما تقرر في الأصول أنه لا يدل على الوجوب لأنه من الأمر العام، فدلالته على الوجوب إنما تكون كلية فى مورد العموم, وهو وجوب أخذ المناسك عنه صلى الله عليه وآله وسلم لا عن غيره، فلا يتناول الوجوب سائر الأفراد إلا بدليل، وهذا اختيار القرافي وابن القشيري.

ويدل عليه أن أعمال الحج التي أُخِذتْ عنه عليه الصلاة والسدلام منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب كما هو معلوم. ولو سلم على التنزل أن قوله (خذوا عني مناسككم) يتناول كل أفراده في مدلوله، فهو ظني لا يفيد

مسألة الشاذروان · الصفحة ١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مسألة الشاذروانص ١٨