... إن معرفة هذه العلوم النظرية للفنون الميدانية، ثم تشذيبها بالحوار والمناقشة، وتطويرها بالتأمل والتفكر والسياحة، بعد تصويبها بقواعد الشريعة ومبادئ العقيدة ، لمن وسائل الدعوة المهمة، يجب على الداعية الأخذ بها، بمقدار ما ترتبط بالأهداف المتعلقة بها، فهى تأخذ حكمها من حكم غاياتها، وفوق الأهمية التى سوف تتركها على النفس والسلوك وعلى العقل والإدراك، فهى –فى نفس الوقت- طريق لوسائل أخرى لابد منها فى مناهج التحليل والاستقراء، وطرق الاستنباط والاستخراج، إذ فيها وبواسطتها يمكن الترجيح بين المصالح المرسلة المختلفة، واختيار الأفضل منها، وبواسطة تكامل هذه العلوم وشمول المعرفة، يمكن استعمال الواقع فى استقراء الغايات فتفتح أبواب المصالح، وتسد الذرائع الموصلة إلى المفاسد، والمقصود طبعاً فى كل ذلك مما لم يرد فيه نص ولا يعرف بالشرع، بل هو مما يدرك بالعقل والتجارب، أو هو من الوسائل المناظرة لمصالح الدنيا وكتاب سلطان العلماء العز بن عبد السلام كله فى هذا الباب، وفيه يقول : (( أما مصالح الدارين وأسبابها فلا تعرف إلا بالشرع، فإن خفى منها شىء طلب من أدلة الشرع، وهى الكتاب والسنة والإجماع والقياس المعتبر والاستدلال الصحيح، وأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات، فإن خفى شىء من ذلك، طلب أدلته))(1)0
... وما العلم الشمولى إلا من أدوات التجارب، ووسائل طلب الدولة، وممهدات التمكين0
تحقيق المناط
(1) قواعد الأحكام : 1/8 0