... وتضاف فوق هذه العلوم مجموعة من المعارف لا يسع المجال هنا للاستطالة فيها، كتعلم فنون السياسة وتحليلها، وبعض العلوم العسكرية وفروعها، (مما سبقت الإشارة إليه فى الفصل الثامن والعشرين)، فوق تنمية المدارك، ومثلها كإدراك الحوار مع الأقران والعلماء، وملاقاة القادة والحكماء، والتفكر فى مجريات الأمور، والتأمل فى أسباب الحوادث، وفى ذلك يقول تعالى : ﴿ قل سيروا فى الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين00 ﴾ (الأنعام:11) ﴿ قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين 000 ﴾ (النمل : 69)0
... إن السير فى الأرض يتضمن السياحة الدعوية ذات المقاصد الحسنة، رغم ما تركه مصطلح (السياحة) عند بعض الفقهاء من إيماء بالمقاصد السيئة ، مثل ترك التوكل على التزود، أو هجرة الأهل والأولاد، أوالانقطاع عن الأعمال الصالحة دون سبب، بينما السياحة الدعوية بذاتها دعوة إلى التفكر فى خلق الله، وطريق إلى التفقه المتكامل، لفهم الكثير من الدقائق، والاعتبار بالكثير من الحقائق ، كما قال تعلى : ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ﴾ (التوبة : 122)0
... وفى هذا يقول الرازى :
... ((.. أفتدل الآية على وجوب الخروج للتفقه فى كل زمان؟
... قلنا: متى عجوز على التفقه إلا بالسفر جب عليه السفر00 فإذا أمكنه تحصيل العلم فى الوطن لم يكن السفر واجباً، إلا أنه لما كان لفظ الآية دليلاً على السفر لا جزم رأينا أن العلم المبارك المنتفع به لا يحصل إلا فى السفر))(1)0
... أما الإمام القرطبى فقد سمى السياحة الدعوية بسفر العبرة فقال: ( سفر العبرة .. ويقال : إن ذا القرنين إنما طاف الأرض ليرى عجائبها ..)(2)0
الوعى الحضارى
... إن هذه العلوم والفنون تقود إلى درجة الوعى الحضارى، ولاذى هو من مقاصد الشريعة، إذ إن بواسطته يمكن للداعية ما يلى :
(1) تفسير الرازى : 16/226 0
(2) تفسير القرطبى : 5/351 0