تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... (00 السائر إلى الله والدار الآخرة، بل كل سائر إلى مقصد لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين: قوة علمية، وقوة عملية، فبالقوة العلمية يبصر منازل الطريق ومواضع السلوك فيقصدها سائراً فيها ويجتنب أسباب الهلاك، ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل، فقوته العلمية كنور عظيم بيده يمشى فى ليلة عظيمة مظلمة شديدة الظلمة فهو يبصر بذلك النور ما يقع الماشى فى الظلمة فى مثله من الوهاد والمتالف، ويعثر به من الأحجار والشوك وغيره، ويبصر بذلك النور أيضاً أعلام الطريق وأدلتها المنصوبة عليها، فلا يضل عنها فيكشف له النور عن الأمرين أعلام الطريق ومعاطبها، وبالقوة العملية يسير حقيقة بل السير هو حقيقة القوة العملية، فإن السير هو عمل المسافر وكذلك السائر إلى ربه إذا أبصر الطريق وأعلامها، وأبصر المغابر والوهاد والطرق الناكبة عنها فقد حصل له شطر السعادة والفلاح، وبقى عليه الشطر الآخر، وهو أن يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافراً فى الطريق قاطعاً منازلها منزلة بعد منزلة فكلما قطع مرحلة استعد لقطع الأخرى، واستشعر القرب من المنزل فهانت عليه مشقة السفر، كلما سكنت نفسه من كلال السير ومواصلة الشد والرحيل وعدها قرب التلاقى، وبرد العيش عند الوصول فيحدث لها ذلك نشاطاً وهمة فهو يقول: يا نفس أبشرى فقد قرب المنزل ودنا التلاقى فلا تنقطعى فى الطريق دون الوصول فيحال بينك وبين منازل الأحبة فإن صبرت وواصلت السرى وصلت حميدة مسرورة جذلة، وتلقتك الأحبة بأنواع التحف والكرامات، وليس بينك وبين ذلك إلا صبر ساعة، فإن الدنيا كلها كساعة من ساعات الآخرة، وعمرك درجة من درج تلك الساعة، فالله الله لا تنقطعى فى المفازة، فهو والله الهلاك والعطب لو كنت تعلمين، فإن استصعبت عليه، فليذكرها ما أمامها من أحبابها، وما لديهم من الإكرام والإنعام وما خلفها من أعدائها، وما لديهم من الإهانة والعذاب وأنواع البلاء، فإن رجعت فإلى

مسافر فى قطار الدعوة · الصفحة ٣٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مسافر فى قطار الدعوةص ٣٦٨