... والعلم بالسياسة من مقتضى فهم الشريعة، ومن عوامل التمكين فى الأرض، وقد يظن بعض مسلمى اليوم أن هذا القول تكلف، أو أن السياسة لا علاقة لها بالدين، وما هى إلا من المصطلحات المحدثة، وما علموا أن من عربوا مصطلحات العصر أدركوا معنى الفعل (ساس) وأنه يقتضى أن تكون السياسة مفهوماً عربياً، ولقد استعمله الفقهاء وخصوه بالسياسة الشرعية، فهذا ابن تيمية يسمى رسالته (السياسة الشرعية)، وتلميذه ابن القيم يسمى رسالة أخرى (الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية)، بل واعتبر بفى كتاب آخر أن السياسة من وسائل التمكين فى الأرض، فقال متحدثاً عن فضل العلم، وما يتفرع من الفضل عن العلم بالسياسة: (000 وما حصل ليوسف –عليه السلام- من التمكين فى الأرض، والعزة والعظمة تعلمه بتعبير تلك الرؤيا، ثم علمه بوجوه استخراج أخيه من إخوته، بما يقرون به، ويحكمون هم به حتى آل الأمر إلى ما آل إليه من العز والعاقبة الحميدة، وكمال الحال التى توصل إليها بالعلم، كما أشار إليها سبحانه فى قوله : ﴿ كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذى علم عليم ﴾ (يوسف : 76)0
... جاء فى تفسيرها: نرفع درجات من نشاء بالعلم، كما رفعنا درجة يوسف على إخوته بالعلم، وقال فى إبراهيم عليه السلام : ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء ﴾ (الأنعام : 83) فهذه رفعة بعلم الحجة، وتلك رفعة بعلم السياسة)(1)0
... ومن هنا يعلم ضرورة تعلم الداعية للسياسة، وفهم البواعث والأهداف والخليفات للمواقف السياسية، ومحاولة تحليلها ومعرفة أسبابها ونتائجها، ومن ثم توقع الأحداث والاحتمالات، ويخطط لذلك بوضع المناهج والبدائل، حتى يتحقق للدعوة التمكين فى الأرض0
(1) مفتاح دار السعادة : 173 0