... فإذا اجتمع العلم الموروث مع العمل الصائب، فإن ذلك اجتماع الصواب مع الإخلاص، ويتحقق التوازن الذى يجعل المؤمن على الصراط المستقيم، ويتخلص من الانحراف مع المغضوب عليهم أو الضالين، إما بالزيغ نحو فتنة الشبهات بقلة العمل، أو نحو فتنة الشهوات بغلبة الهوى، فيتحقق بذلك حصول منزلة التقوى، والتى بها يحصل خير زاد للسائر على الطريق00 فكما أن سفر الدنيا لا يتم فضله، أو يسعد المسافر به إلا بالطعام والشراب، فكذلك سفر الآخرة، لا يتم إلا بالتزود بالتقوى، وفى هذا قيل :
... (أما قوله تعالى : ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون ﴾ (البقرة : 197) ففيه قولان: أحدهما –أن المراد : وتزودوا من التقوى، والدليل عليه قوله بعد ذلك: ﴿ فإن خير الزاد التقوى واتقون ﴾ (البقرة : 197) وتحقيق الكلام فيه أن الإنسان له سفران :سفر فى الدنيا، وسفر من الدنيا، فالسفر فى الدنيا لابد له من زاد، وهو الطعام والشراب والمركب والمال، والسفر من الدنيا لابد فيه أيضاً من زاد، وهو معرفة الله ومحبته والإعراض عما سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لوجوه :
... الأول : أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب موهوم، وزاد الآخرة يخلصك من عذاب متيقن0
... وثانيها : أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع، وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم0
... وثالثها: أن زاد الدنيا يوصلك إلى لذة ممزوجة بالآلام والأسقام والبليات، وزاد الآخرة يوصلك إلى لذات باقية خالصة من شوائب المضرة، آمنة من الانقطاع والزوال0
... ورابعها : أن زاد الدنيا وهى كل ساعة فى الإدبار والانقضاء، وزاد الآخرة يوصلك إلى الآخرة، وهى كل ساعة فى الإقبال والقرب والوصول0
... وخامسها : أن زاد الدنيا يوصلك إلى منصة الشهوة والنفس، وزاد الآخرة يوصلك إلى عتبة الجلال والقدس، فثبت بمجموع ما ذكرنا أن خير الزاد التقوى 00(1)0
(1) تفسير الرازى : 5/168 0