... (وقيل المراد بالآية المؤمنون، أى من أراد بعمله ثواب الدنيا عجل له الثواب، ولم ينقص منه شيئاً فى الدنيا، وله فى الآخرة العذاب، لأنه جرد قصده إلى الدنيا، وهذا كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ((إنما الأعمال بالنيات)) فالعبد إنما يعطى على وجه قصده، وبحكم ضميره، وهذا أمر متفق عليه فى الأمم بين كل ملة، وفى الخبر أنه يقال لأهل الرياء ((صمتم وصليتم00)) ثم قال : ((إن هؤلاء أول من تسعر بهم النار 00)(1)0
... وقال ميمون بن مهران : ليس أحد يعمل حسنة إلا وفى ثوابها، فإن كان مسلماً مخلصاً وفى الدنيا والآخرة، وإن كان كافراً وفى فى الدنيا)(2)0
... ومن هنا على المؤمن الداعية الوجل، واستشعار الخوف من عدم قبول العمل، فقد يعجل الأجر بالثناء والمدح، أو بالشهرة والمركز، وقد يستدرج الداعية فيعوض بالعمل الدعوى، وبالوظيفة والسمعة، أو بلذة العيش ورفاهية السكن، ويحرم بعد ذلك كله من الأجر الخروى، ونظير ذلك ما قد يبتلى به عباده المؤمنين، من البلاء والفتن، ومن كوارث الإحن، فإذا ثبت على مبادئ العقيدة، واستقام على المنهج، زادت حسناته فى ميزان الله تعالى، وإذا انقلب على وجهه- والعياذ بالله- فإن فى الفتنة حصاد المنافقين، وبها يتميز معدن الإخلاص، ولاشك أن الانقلاب مراتب، والانحراف مدارج على قدر النقص فى الإيمان والضعف فى اليقين0
العلم الموروث
... والزاد الثانى الذى يصحح به المسار، ويبصر به الطريق، العلم الموروث عن النبوة، والذى يكون النبراس الذى لا تختلط به الروايات، والضوء الذى يكشف تدليس الجاهليات، وليس العلم أحاديث وإشاعات العوام، ولا تدليس وأخبار الأعلام، وعن هذا يجيب ابن القيم – رحمه الله :
... (فإن قلت : قد أشرت إلى سفر عظيم، وأمر جسيم فما زاد هذا السفر، وما طريقه وما مركبه00؟
(1) أخرجه مسلم
(2) تفسير القرطبى : 9/14 0