... (فلما فصل عير السفر، واستوطن السمافر دار الغربة، وحيل بينه وبين مألوفاته، وعوائده المتعلقة بالوطن ولوازمه، أحدث له ذلك نظراً، فأجال فكره فى أهم ما يقطع به منازل السفر إلى الله، وينفق فيه بقية عمره، فأرشده من بيده الرشد إلى أن أهم شىء يقصده إنما هو الهجرة إلى الله ورسوله، فإنها فرض عين على كل واحد، فى كل وقت، وأنه لا انفكاك لأحد عن وجوبها، وهى مطلوب الله ومراده من العباد، إذ الهجرة هجرتان:
... هجرة بالجسم من بلد إلى بلد 00
... والهجرة الثانية : الهجرة بالقلب إلى الله ورسوله –وهى المقصودة هنا- وهذه الهجرة هى الهجرة الحقيقية، وهى الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها 00)(1)0
ففروا إلى الله
... والإخلاص يقتضى أن يخرج الداعية كل شبهة من قلبه، فلا يؤمن حق الإيمان حتى يخرج الجاهلية منه، فلا يبرر المصلحة الخاصة أمام العامة، ولا يفوت الراجح لأجل المرجوح، ولا يدفع الضرر الأصغر بالضرر الأكبر، ولا يقدم إلا ما قدمه الله، ولا يؤخر ما أخره الله ، ويكون ميزانه على الأشخاص والمواقف والجماعات ميزان السماء، ولا يركن إلى ميزان الأهواء، فلا تكون الوطنية والإقليمية مقدمة على الإسلامية، ولا القومية والصعبية أولى من الآصرة الإيمانية، ولا أن تكون الأرض أعز من الفكرة، ولا التراب أولى من العقيدة، بل التجرد المطلق لله عز وجل، وهذا هو معنى الفرار إلى الله تعالى دون النظر إلى ما سواه 0
... فالسفر لابد له من الفرار إلى الله، لأن هذا ما يتضمنه معنى الهجرة إليه 0
(1) الرسالة التبوكية لابن القيم : 18 0