... إن العلوم جميعها، مرتبة ترتيباً ضرورياً، كما أن أجزاء العلم مرتبة على بعضها، فلا ينبغى دراسة العلم إلا بالتدرج فيه، والتراكم صفة من صفات المعرفة، والذهن مخلوق لإدراك العلم بالتدريج، واستيعابه مرحلة بعد أخرى، ولما كان العمر يضيق عن استجماع علم بأكمله، فقد يكتفى بأهم القواعد والفنون، فى العلم الواحد، ويرجع إلى ما يحتاج إليه، بالنظر فى الكتب، أو فى سؤال غيره، والأصل أن يعرف المتعلم موارد العلوم ومصادرها، ومآخذ الفنون ومناهجها، وأن يستلهم وصية الغزالى: ((أن لا يخوض فى فن من فنون العلم دفعة، بل يراعى الترتيب، ويبدأ بالأهم، فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالباً، فالحزم أن يأخذ من كل شىء أحسنه)(1)0
... والتدرج فى العلم مظهر من مظاهر التيسير، والتبشير وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((يسروا ولا تعسروا، بشروا ولا تنفروا))(2)0
... وقال ابن حجر معقباً :
... (.. وكذلك تعليم العلم يجب أن يكون بالتدريج، لأن الشىء إذا كان باتداؤه سهلاً حبب إلى من يدخل فيه، وتلقاه بانبساط، وكانت عاقبته غالباً الازدياد، بخلاف ضده)(3)0
... فالداعية المربى، عليه عالماً ومتعلماً، أن يدرك أن أخذ المعلومات أو اعطاءها، يكون بتدرج وحسب أهميتها، شرعاً ومصلحة، أو من أهميتها المرحلية، أو حسب ظروف الواقع والعادة والزمان والمكان، إذا تساوت شرعاً،ن ولابد من غرس النظرات الشرعية، والموازين الإسلامية، دون إضاعة العمر بفن واحد، أو صناعة علوم مهمة، بالاستكثار فى علم واحد 0
... ويستشهد هنا، بنقد ابن الجوزى ليحي بن معين، وهو أعلم الناس بالجرح والتعديل، ولكنه كانت تغيب عنه مسائل الفقه البسيطة، ولم يصل إلى ما وصل إليه أقرانه، كالإمام أحمد وغيره ممن أخذوه العلم من أطرافه، فيقول:
(1) الإحياء : 1/52 0
(2) البخارى (كتاب العلم) 0
(3) فتح البارى : 1/163 0