... وبعد العمل المرتبط بالإيمان لابد من التذكير الدائم، بأن كل قول وعمل لا يقبل ما لم يرد به وجه الله عز وجل، فكان لابد من الإخلاص قبل العمل وأثناءه وبعده كى لا يصيبه النقص، أو يعتريه الإحباط، فكان للداعية من التمسك بشجرة الإخلاص فهى أساس الإيمان، وهى بريد العمل الصالح للقبول، وما شجرة الإخلاص إلا دواء القلب الناجع، وسر الصفاء المضىء، وكلما كان إخلاص الداعية لله كبيراً، كلما ازداد إشعاع الإيمان منه وانتشر، وبلغت كلماته القلوب، واخترقت مواعظه النفوس، وأحيت عباراته الهالكين، وأيقظت حماسته الغافلين، ولقد ضرب الله تعالى لنفسه مثلاً من المشكاة والمصباح فقال عن نوره: ﴿ 00 يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شىء عليم ﴾ (النور: 35)0
... ووصف الله تعالى زينتها بأنه يكاد يضىء ولو لم تمسسه نار، لأن الزيت إذا كان خالصاً صافياً ثم رؤى من بعيد يرى كأن له شعاعاً، فإذا مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء، كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد نوراً على نور، وهدى على هدى، قال يحي بن سلام: ((قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له، لموافقته له))، وهو المراد من قوله - صلى الله عليه وسلم - : ((اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله000))(1)0
... رة المباركة تعطى الإشارة عن مفهوم 4 لذا فإن هذه الشجرة الإخلاص، وعن الفراسة والإلهام، كما أنها توحى بواسطية هذا الدين بين الغالى فيه والمتجافى عنه، وعن وسطية هذه الأمة بين الأمم كما قال تعالى : ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس00 ﴾ (البقرة : 143) 0
شجرة الدعوة
(1) تفسير الرازى : 23/237 0