... فإذا أردت الاطلاع على كنه المعنى هل هو حق أو باطل، فجرده من لباس العبارة، وجرد قلبك من النفرة والميل، ثم أعط النظر حقه، ناظراً بعين الإنصاف، ولا تكن ممن ينظر فى مقالة أصحابه ومن يحسن ظنه نظراً تاماً بكل قلبه، ثم ينظر فى مقالة خصومه وممن يسىء ظنه به كنظر الشزر والملاحظة، فالناظر بعين العداوة يرى المحاسن مساوئ، والناظر بعين المحبة عكسه، وما سلم من هذا إلا من أراد الله كرامته وارتضاه لقبول الحق)(1)0
ثم اثبت على الأمر
... وتعلم الفنون وصناعة الحياة، قد تتقاذف الداعية فى أمواجها العاتية، فلا يصمد أمام الفتن والأهواء، أو لا يثبت أمام المحن والبلاء، فلابد من العودة إلى الثوابت مهما ساح فى الآفاق، والتمسك بالأصول مهما توسع فى الفروع، والاعتصام بالحبل المتين مهما تفرقت الأهواء، والالتزام بالمسلك المستقيم مهما تفرعت الشعب، والحذر من أهواء الباطل وسبل الشيطان، فإن المنقاد لها سيضيع مع التيار ((بخلاف الثابت التام فإنه لا تستفزه البداءات، ولا تزعجه وتقلقه، فإن الباطل له دهشة وروعة فى أوله، فإذا ثبت له القلب، رد على عقبيه، والله يحب من عبده الحلم والأناة، فلا يعجل بل يثبت حتى يعلم ويستيقن ما ورد عليه، ولا يعجل بأمر من قبل استحكامه، فالعجلة من الشيطان، فمن ثبت عند صدمة البداءات، استقبل أمره بحزم وجزم، ومن لم يثبت لها استقبله بعجلة وطيش 000 ولهذا فى الدعاء الذى رواه الإمام أحمد والنسائى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - اللهم إنى أسألك الثبات فى الأمر، والعزيمة على الرشد، وهاتان الكلمتان هما جماع الفلاح، وم أتى العبد إلا من تضييعهما أو من تضييع أحدهما، فما أتى أحد إلا من باب العجلة والطيش، واستفزاز البداءات له، أو من التهاون 00 وتضييع الفرصة بعد مواتاتها، فإذا حصل الثبات أولاً، والعزيمة ثانياً، أفلح كل الفلاح، والله ولى التوفيق )(2)0
(1) مفتاح دار السعادة : 141 0
(2) المرجع السابق : 142 0