... وأولها العقل، وهو أمر زائد على مجرد إدراك المعلوم، (واعلم أن لكل فضيلة أسا، ولكل أدب ينبوعاً، وأس الفضائل وينبوع الآداب هو العقل، الذى جعله الله تعالى للدين أصلاً، وللدنيا عماداً، فأوجب التكليف بكماله، وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه، وألف به بين خلقه مع اختلاف هممهم ومآربهم، وتباين أغراضهم ومقاصدهم، وجعل ما تعبدهم به قسمين، قسماً وجب بالعقل فوكده الشرع، وقسماً جاز فى العقل فأوجبه الشرع، فكان العقل لهما عماداً 00)(1)0
... فالعقل شىء غير الوحى والمعرفة، ولكنه مناط التكليف، وبه يعرف الدين، ويفهم العلم فهو أفضل مرجو، كما أن الجهل أنكى عدو، وأن خير ما أوتى المسلم من المواهب العقل، وشر ما يحل عليه من المصائب الجهل، ولذا فإن من بين العوامل التى تميز البشر، وتفاضل بين الدعاة موهبة العقل، فوق موهبة العلم والصلاح، إذ به تتمايز الأهواء، وتتوضح به ملامح الفتن، وبه ينقذ من الوقوع فى المعاصى، وهو الحاجز عن التهور والاندفاع، أو عن النكوص والجبن، وبالعقل تعرف حقائق الأمور، وتتوضح مسالك السبل، ومن العقل ما هو غريزى كقوله تعالى :
... ﴿ أفلم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون به 00 ﴾ (الحج : 46) ومنها ما هو مكتسب، بل هو نتاج العقل الأول، وهو نهاية المعرفة فى إصابة الفكرة، وفى تمييز المعرفة، وهو مما ينمو إن استعمل، وينقص إذا أهمل، وذلك بكثرة الاستعمال وتنوع التجارب وممارسة الأفكار، ما لم تؤثر فيه الأهواء، أو تصده الشهوات0
تفكروا فى الخلق
... ومن مقتضيات العقل التدبر والتفكر، وأخذ الأمور بمنهاجها السليم، دون تخبط أو جنوح، وبلا هوى وعاطفة، وإن التدبر هو النظر فى أواخر الأمور وعواقبها، والتفكر يفيد تكثير العلم بالعقل، واستجلاب ما ليس حاصلاً، وكذلك فى معانيهما التذكر المفيد لتكرار ما ينتج عن التدبر والتفكر، وتكراره على القلب حتى يزيد رسوخاً وتثبيتاً 0
(1) أدب الدنيا والدين للماوردى : 19 0